ثقافة وفن

«اللغة الفينيقية».. حقائق جديدة في دراسةٍ أكاديمية

| أحمد محمد السّح

يسعى السوريون بعد الحرب القاسية التي طالت البلاد للبحث بشكل دقيق في عمق تاريخهم الحقيقي ليكونَ مرتكزاً ثابتاً إلى مستقبلٍ مشرق تستحقه هذه الأرض، التي أجمع المؤرخون أنها منبع الحضارة البشرية الأولى. وفي هذا الصدد يصدر الدكتور الباحث «إياد عبد الله يونس» كتابه الجديد عن «دار دلمون الجديدة» في دمشق. ويقدّم في هذا الكتاب- «اللغة الفينيقية» «دراسة مقارنة مع اللغات الشرقية القديمة» في بحثٍ مستفيض وإشكالي يفتح أفقاً كبيراً للنقاش، ولكنه يثبت بحقائق وأدلة تعب كثيراً للحصول عليها ليطلق صرخته العالية، مفادها أنّ الكثير مما تم إدخالهُ في مناهجنا التربوية التي شكلت معلومات العقل الجمعي لدى السوريين هي معلوماتٌ مغلوطة وضعها أشخاص اعتمدوا على ترجماتٍ لمستشرقين يعملون أو ينتمون لمصلحة (الصهيونية العالمية).
يبدأ الكتاب بمعلوماتٍ دقيقة عن الفينيقيين واللغة الفينيقة، حيث يذكر في إحدى معلوماته المهمة أن الفينيقيين هم كنعانيون استقروا في مدن الساحل السوري منذ حوالي الألف الثالث قبل الميلاد، ووصلت قمة ازدهارهم خلال السنوات (1200- 800) ق. م، حينما عمت تجارتهم حوض البحر المتوسط، وأوجدوا فيه مراكز تجارية ومستعمرات، بلغت حتى قرطاجة سنة 814 قبل الميلاد. ويذكر مثبتاً بالصور بعض مظاهر الفينيقيين وأصولهم والنقائش التي تركوها لنا، وصولاً إلى اختراع الكتابة الأبجدية، بكثيرٍ من المعلومات التي تهمّ أي سوري غير متخصصٍ بالتاريخ، ولكنها تغني حتى المتخصصين الأكاديميين.
ثم يستفيض الباحث بموضوع اللغة وفقهها، مستعرضاً أنظمة الكتابة منذ فجر التاريخ، ومقدماً نماذج للكتابة الأمازيغية والكتابات العربية الأولى حتى الكتابات الأثيوبية وتقاطعات مفيدة توضح مدى التأثير والتأثر الذي قدمته اللغة الفينيقية فهي لم تنبع من فراغ ولم تكن معزولة، حيث يوضح لنا أن فقه اللغة هو علم مستقل ولهُ أدواته التي هي «النقائش كافة، والرقم، والوثائق، والكتابات القديمة التي من خلالها نتعرف إلى المجتمعات القديمة، وعلى تعيين تاريخها وموقعها الجغرافي، وطبيعتها سواء كانت إهداء أم نذراً أو تذكاراً»، ويعيد تذكيرنا أن المسلّم به حتى الآن أن مطالع الكتابة ظهرت في بلاد الرافدين أو الهلال الخصيب إجمالاً وفي مصر، بسبب البيئة التي ساعدت على الاستقرار ومن ثمّ الكتابة.
يبدو الاجتهاد والمغامرة حين تهرب معلومات غاية في الدقة من رفوف المكتبات ومختبرات البحث العلمي إلى أيدي الناس والقراء، وذلك حين يعمل الباحث على إيراد أسس وطرق لقراءة وكتابة اللغة الفينيقية بين دفتي الكتاب، ويورد ذلك في ثلاثة أبحاث متوالية حيث يقدم بكل دقة الأسس النحوية للغة الفينيقية، ويقدم التكوين النحوي في اللغة الفينيقية – البونية كما يعمد إلى مقارنة أصواتها مع اللغات الشرقية القديمة ليخلص إلى استنتاجات تعتبر فتحاً علمياً وجب أن يثير الكثير من النقاش البنّاء والهادف الذي يوصلنا إلى الإجابة عن سؤال مهم: «هل العربية هي أقدم اللغات؟ ومن هم العرب العاربة والبائدة والمستعربة والباقية؟»، وكل هذه الإجابات ستكون وفقاً للجذور اللغوية لا اعتماداً على الشطحات العاطفية إنما بتحليل دقيق لجذور الأفعال الثلاثية والثنائية، فاللغة الأقدم هي التي تضم أكثر الكلمات عدداً وفق عامل القاسم المشترك الأكبر بين الأفعال.
يدخل الكتاب في فصله السابع بإشكالية اللفظ في اللغات الشرقية القديمة حيث يقول إن أكثر الجامعات في العالم ذهبت إلى لفظ الكلمات في النقائش القديمة حسب اللفظ العبري الذي حققه الماسوريون في القرن العاشر الميلادي، والمشكلة أننا نملك صورة هذه النقائش وفقدنا الصوت، ومن ثم فقدنا اللفظ السليم، ويتعرف القارئ بعدها إلى بحث مفيد عن حقيقة التزوير الذي قامت به المدرسة التوراتية! حيث ينصح الكاتب باعتماد التفاسير للأسماء المعروفة ذات الدلالة وتحليلها، لأنها تقدم مرتكزات لتفنيد اللغة بينما تهرّبت الجامعات التي اعتمدت المدرسة التوراتية من هذه التفاسير لأن قواميسهم لا تلبي هذه الحاجة. وهنا مكمن الخطورة والحذف والإقصاء، فالبحث في تاريخ اللغات الشرقية القديمة يحتاج الدقة المتناهية، فتاريخ لغةٍ ما هو إلا تاريخ الأمة وتاريخ حضارتها.
يهدف الكتاب الغني بمعلوماته وخرائطه وصوره إلى جعل قارئه قادراً على قراءة نص فينيقي وترجمته، كما يقدّم له كل المعارف الدقيقة التي تربط الفينيقية كلغة، بالعربية ضمن متابعةٍ لموجات حركة تاريخية واجتماعية تم رصدها بدقة لإيصال الفهم الدقيق لمعنى الترابط بين لغات الشرق منذ القدم، مشيراً إلى مواطن الخبث التي زرعتها الجامعات العبرية في العالم والتي تشرّبناها جهلاً أو عمداً على أيدي المستشرقين.
يفترض أن مشروعاً بهذا الحجم أن تتبناه المؤسسات الرسمية ضمن سلسة أبحاث طويلة، وأن تدفع الأموال بسخاء للباحثين ليكون للجامعات السورية الدور الأساس في تصحيح الفكر المغلوط الذي اكتسح العالم وشوه حقائقنا، والشجاعة تبرز حين تتصدى دار نشر خاصة ودكتور متخصص بتقديم خطوة واسعة بهذه القيمة، فلا يجب أن تمر على أنها مجرد صدور كتاب في التاريخ لعنوان متكرر هو اللغة الفينيقية إنما هو تقديم فقهي لهذه اللغة وبحث أصيل لمحتواها ونتاجها.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock