اقتصادالأخبار البارزة

هل من فساد في «النفط»؟ هيئة الرقابة والتفتيش تحقق … بحيرات من مخلفات النفط المسروق من ميلشيا «قسد» تنتشر في المنطقة الشرقية ومساعٍ معطلة لاستجرارها وتكريرها

| علي نزار الآغا

الأنصاري: تعهدنا باستجرار المخلفات وتكريرها وبيع المنتجات لمحروقات وعروض لمنافسين كانت بتصديرها

في وقت حساس جداً لجهة تأمين توريدات النفط إلى سورية، وسط إجراءات قسرية أحادية الجانب مشددة من الجانبين الأميركي والأوروبي، تلاحق ناقلات النفط المتجهة إلينا؛ يبدو أن هناك من هو معني بالربح أكثر على حساب الوطن والمواطن، ويسعى لإخراج بعض المواد النفطية (مخلفات) من البلد ولو تصديراً، ونحن بحاجة إلى كل ليتر يمكن استثماره محلياً بدل الاستيراد، في أي من مخرجات النفط حتى الزيوت والاسفلت، ويبدو أن الموضوع يجري بدعم ومباركة بعض المفاصل في وزارة النفط ومكتب تسويق النفط!
بدأت القصة التي وقفت «الوطن» على تفاصيلها، بالوثائق، مع بدايات العام الجاري (2019) عندما أعلمت إحدى الشركات التجارية السورية (مؤسسة عيد الجيش التجارية) وزارة النفط بوجود بحيرات كبيرة من المخلفات النفطية في المنطقة الشرقية، تقدر كمياتها بنحو 5 ملايين طن، يمكن استجرارها، وإخضاعها لعمليات معالجة، فينتج عنها زيوت وبعض المشتقات نفطية، وتقدمت الشركة بطلب للوزارة بتاريخ 9/1/2019 متضمناً رغبتها «بالتعاون مع الوزارة في موضوع استجرار المخلفات النفطية من حقول المنطقة الشرقية»، وقدمت عرضاً فنياً وتجارياً أيضاً، وذلك بالشراكة مع مصفاة دمشق للبتروكيماويات، وهي مصفاة خاصة بمعالجة الزيوت، بمنطقة عدرا الصناعية، بحيث تتم معالجة المخلفات فيها.
تضمن عرض الشركة شراء طن المخلفات بمبلغ 8 دولارات، وذلك بناء على تكاليف الإنتاج المقدمة للوزارة، إضافة إلى 2 دولار لصندوق الشهداء، وقد وجّه وزير النفط علي غانم معاونه بإجراء ما يلزم، ليدخل الموضوع بعدها في دوامة، لم تنته حتى تاريخه، لإعاقة استجرار تلك المخلفات التي تشكل خطراً بيئياً وصحياً كبيراً، إضافة لكونها مهدورة، وغير مستفاد منها، وذلك بحسب مدير مؤسسة عيد الجيش ومالك المصفاة.

القصة بالتفصيل

أحمد الأنصاري هو مالك شركة مصفاة دمشق للبتروكيماويات، ومديرها العام، تحدث لـ«الوطن» بالتفصيل حول مجريات الأمور منذ إعلام وزارة النفط بينتهم مع مؤسسة عيد الجيش باستجرار تلك المخلفات وحتى تاريخه، مبيناً أن ميليشيا قوات سورية الديمقراطية «قسد» وضعت يدها على عدد من أبار النفط في المناطق التي يسيطرون عليها بدعم ما يسمى التحالف الدولي، وبدأت باستخراج النفط وتكريره بطرق بدائية، لا تمت للعلم بصلة، بهدف سرقة أكبر قدر ممكن من النفط، وجني المال بتهريبه إلى تركيا، وذلك من خلال ضخ حمض الكبريت في الآبار لإخراج النفط، وهذا يؤذي الآبار بشكل كبير، وعند استخراج النفط، يتم سحب ما يسمى «القطفة الأولى» منه فقط، وذلك بتسخينه واستخراج بعض البنزين والمازوت منه، ورمي ما يتبقى في الأراضي المجاورة لعمليات التكرير، فتشكلت بحيرات واسعة، على شكل مستنقعات، من النفايات النفطية، لكن المصافي النفطية التي تعمل وفق أسس ومعايير علمية، يمكنها تكريرها ومعالجتها وإنتاج زيوت وبعض المشتقات، وتعد تلك النفايات أحد أسباب زيادة معدلات الإصابة بالسرطان والأمراض التنفسية والجلدية في المنطقة، عدا كونها تعتبر مهدورة، ولا يتم استخدامها أبداً من أحد.
الأنصاري تحدث أيضاً عن فتح باب الأخذ والرد في وزارة النفط، والتفاوض على السعر، وتم التوصل إلى مبلغ 10٫10 دولار للطن الواحد، منه 2 دولار لصندوق الشهداء، لكن يبدو أن هناك أطرافاً في الوزارة تريد أن تستفيد، وتم تحويل الموضوع إلى مكتب تسويق النفط، وسط مماطلة، وطلب إجراء مزايدة بالظرف المختوم.
وأضاف «وافقنا على موضوع المزايدة، التي تقدم لها ثلاثة شركات، أي شركتين إضافة إلى شركتنا، وقدمنا عرض باستعدادنا لتأمين استجرار تلك المخلفات أو النفايات التي يشكل النفط الخام جزء منها، إضافة للنفايات، ومن ثم التعامل معها في مصفاة دمشق، وقدمنا جميع تفاصيل التكاليف والأرباح الحقيقية، وكشفنا كل شيء بالتفصيل، وتعهدنا ببيع نواتج المعالجة والتكرير لشركة محروقات، مع ضمان أن تكون مطابقة للمواصفات السورية، واستجرار مليون طن من المخلفات كل عام، على حين كان عرض لمنافسين يتضمن استجرار تلك المخلفات وتصديرها إلى خارج البلد».
وتابع الأنصاري روايته المدعمة بالوثائق التي حصلت «الوطن» على نسخ منها «أخبرت مسؤول في وزارة النفط كيف تم السماح للشركات المنافسة بالتقدم للمزايدة وليس لديهم الإمكانات الفنية للتعامل مع الموضوع، وهم ليسوا صناعيين ولا يملكون مصافي نفط، على حين الأفضل أن تدعموا الصناعة، ومصفاتنا تعمل في منذ 20 عاماً، فأجابني المسؤول بأنهم تعهدوا بإنشاء مصفاة نفط وتشغيلها خلال شهر فقط، وهذا أمر مستحيل، فمعمل بطاطا شيبس يحتاج إلى 6 أشهر لتركيب خطوط الإنتاج، فكيف الحال بمصفاة نفط، واستغربت كيف يخرج هذا الكلام من مسؤول في وزارة النفط».
في المحصلة، فازت الشركة بالمزايدة، بسعر 22 دولاراً للطن، على حين كانت أسعار المنافسين 17 دولاراً و11.5 دولاراً للطن الواحد، وهذا واضح في محضر اجتماع لجنة القرار الوزاري رقم /145/ بتاريخ 15/4/2019 الذي يحمل توقيع كل الجهات المختصة والمعنية بالشأن، على حين أن المستغرب هو غياب توقيع رئيس مكتب تسويق النفط أحمد معنية، وتضمن المحضر حاشية لوزير النفط بإجراء ما يلزم أصولاً.
هنا، بين الأنصاري أن بعد فوزهم بالمزايدة، تلقوا التبريكات، وبدؤوا الاستعداد للتنفيذ، إلا أنهم وقعوا مجدداً في دوامة المماطلة والتعطيل، حتى تاريخه، وقال «بدأت المعركة الثانية، بين اليوم وغداً، ووزارة النفط تمتنع عن إصدار أمر المباشرة، بسبب بعض مايشبه المافيات الموجودة فيها، وتؤثر فيها، وقد ذهب صاحب شركة عيد الجيش التجارية أحمد عيد الجيش 5 مرات إلى الوزارة لمتابعة الأمر، من دون جدوى، وفي المرة الأخيرة طرد، وقالوا له إنه غير مرموق للقاء الوزير».
وأضاف «العجب العجاب أنه في الوقت الذي تعاني البلد من العقوبات التي تعوق تأمين توريدات النفط، هناك من يسعى لإخراج ما يمكن الاستفادة منه وتوفير بعض الكميات المستوردة، بما يشبه شرعنة التهريب بغطاء قانوني».
وبين الأنصاري أن ما تقوم به الوزارة «غير قانوني بعد الفوز بالمزايدة بالظرف المختوم، علماً بأنه بعد فض العروض، تحدث أحد المعنيين في مكتب تسويق النفط عن وجود شركة رابعة ترغب بدفع 27 دولاراً للطن، وهي شركة رديفة لإحدى الشركات التي تقدمت إلى المزايدة، وهذا ممنوع قانونياً، خاصة وأنه لم يتم الدعوة لجلسة كسر أسعار، ولم ينفذوها».
وأضاف الأنصاري «الأكثر عجباً، هو موضوع التأمينات، فعندما تعلن الوزارة عن حاجتها للتعاقد لاستجرار النفط، تطلب تأمينات لتضمن تنفيذ العقد، وجرت العادة أن تكون 25 ألف دولار لشحنات المازوت والبنزين، و500 ألف دولار للنفط الخام، وهي أعلى تأمينات في وزارة النفط على عقودها، إلا أنها طلبت تأمينات 50 ألف دولار لاستجرار النفايات، ثم رفعت المبلغ إلى مليون دولار، وسوف تعلن الوزارة عن مزايدة جديدة، في مخالفة للقانون، إذ لا يحق لها إعلان مزايدة ثانية بعد فض العروض وتحديد الفائز، الذي يجب أن يحصل على أمر بالمباشرة».

الرقابة والتفتيش

أمام هذا الواقع، وتطوراته، لجأ الشركاء «الأنصاري وعيد الجيش» إلى الهيئة المركزي للرقابة وتم تقديم شكوى مفصلة حول ما جرى بالوثائق، وقال «طبعاً النتائج النهائية محكومة بانتهاء عمليات التحقيق.
وأضاف الأنصاري «يبدو أن السبب الحقيقي وراء هذا الأخذ والرد هو إعطاء العقد لشخص معين، بلعبة كبيرة، علماً بأننا من اكتشف وجود تلك المخلفات، المقدرة بنحو 5 ملايين طن، ونحن من تقدم أولاً لاستجرارها ومعالجتها وتكريرها وبيع المنتجات لشركة محروقات».
أحمد عيد الجيش أكد لـ«الوطن» كل ما جاء على لسان الأنصاري، منوهاً بأن اللجنة الخاصة بالمزايدة أقرت بحصرية عمل الشركة الفائزة، إلا أنه أن هناك «شركة غير معروفة، تقدمت بعرض جديد بعد فض العروض وفوزنا، لتصدير المخلفات، ويبدو أنها شركة وهمية، وهذا غير قانوني، لأنها تقدمت بعد فض العروض».

ختاماً

«الوطن» إذ تعرض هذه الرواية من أصحابها، فهي تقصد الإضاءة على بعض الجوانب التي قد تضمر فساداً يضر بالوطن والمواطنين، وهي بطبيعة الحال لا تتبنى ما ورد، إذ هناك جوانب أخرى للرواية، متعلقة بوزارة النفط، ومكتب تسويق النفط، ولديهم الحق في الرد والتوضيح.
أما عدم تضمين المقال الجانب الآخر من الرواية، فهو لسبب متعلق بسوء علاقة الوزارة مع الإعلام، وخاصة مع «الوطن»، فلا ترد على طلبات المحررين وأسئلتهم، وهناك أسئلة لا تزال معلقة بلا إجابات في المكتب الصحفي منذ أشهر، رغم توجيهات رئيس مجلس الوزراء بالتعاون مع الإعلام، لذا نحتفظ للوزارة ومكتب تسويق النفط بحق الرد.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock