من دفتر الوطن

مرض التفاؤل!

| عصام داري

متهم بالرومانسية أنا! متهم بالتفاؤل!
هل أصبحت الرومانسية تهمة؟ ومتى كان التفاؤل جريمة يعاقب عليها القانون؟
كثيرة هي الأشياء والتصرفات والأفعال التي تجعلني متفائلاً، فعندما أتقاضى ألف ليرة إضافية على مقالة نشرت في مجلة أو صحيفة أشعر بغبطة وفرح طفولي، ليس لقيمة الألف ليرة في هذا الزمن الصعب والغلاء الذي يقترب من جهنم كثيراً، بل لأنني اكتشفت أن هناك من مازال يحترم الكلمة والكاتب وأصحاب المواقف.
الألف ليرة اليوم تعادل ثلاثة أضعاف أول راتب تقاضيته في صحيفة تشرين قبل خمسة وأربعين عاماً، حينها سألني الأستاذ جلال فاروق الشريف، أول مدير عام ورئيس تحرير للصحيفة: ما المبلغ الذي تريده في الشهر؟
صعقت من السؤال، أنا المحرر المستجد في الصحيفة عليّ أن أقترح لقاء أتعابي، أي راتبي في الشهر، ومن يسأل؟ هو رأس هرم الصحيفة.
خجلت ولزمت الصمت، فتناول ورقة وقلماً وكتب سطراً ونصف السطر يقضي بأن أتقاضى شهرياً ثلاثمئة وخمسين ليرة عداً ونقداً! أعطاني تلك الورقة وطلب مني تقديمها للأستاذ رياض البرازي الذي كان بمنزلة المدير المالي والإداري والمحاسب معاً، وقال لي: هذا التعويض مؤقت، فإذا نجحت معنا ذكرني بعد شهرين كي أزيد راتبك، وإلا!
طبعاً استمررت بعد الشهرين لمدة ثلاثين عاماً، لكنني لم أذكره كي يزيد راتبي، أولاً بسبب الخجل فالوقوف أمام قامة مثل الأستاذ جلال لها رهبة، وثانياً لأنني أعرف ظروف الجريدة في البدايات، وثالثاً لأن الراتب كان يكفيني ويزيد!
ومادمت قد تطرقت إلى ظروف صحيفة تشرين في البدايات فقد سمحت لنفسي بإعادة نشر مقطع من مقالة نشرها الأستاذ جلال في نيسان من العام 1976 حول الصعوبات التي واجهته عندما كلف بإصدار الصحيفة، يقول:
(كانت الصعوبات أكثر من أن تطاق، صعوبات مادية كبيرة، لا مبنى، لا مكاتب، لا كوادر، لا أنظمة، لا ميزانية، لا مطابع.
وصعوبات معنوية أكبر، عدم قناعة بالممارسات الإعلامية السائدة، عدم ثقة بإمكان التغيير، وشعور أننا نعيش في عصر«سيزيف».
كانت البداية في نظري من تحت الصفر، وكان هذا يجعل أجرأ مغامر يرفض هذه المحاولة).
لكن الفريق الذي وقف مع جلال فاروق الشريف قَبِل التحدي والمغامرة، لأن كل ذلك الفريق كان مؤمناً بإمكانية تحقيق الهدف المرجو، وهذا الفريق كان مشبعاً بالتفاؤل والقدرة على قهر الصعاب، مهما بلغت، وتجاوز العقبات.
وللإنصاف والحقيقة أرى أن أذكر أسماء هذا الفريق الذي كان يقوده بالدرجة الأولى الأستاذ أحمد اسكندر أحمد، وزير الإعلام، وجلال فاروق الشريف، ود. غسان الرفاعي والأساتذة: جبران كورية وعادل أبو شنب ومحيي الدين صبحي وعبد اللـه خالد، وانضم لاحقاً كل من محمد الماغوط وزكريا تامر وكبار الكتاب والشعراء والإعلاميين السوريين.
تلك الأيام كانت أجمل مراحل العمل في الإعلام، وكانت أسرة تشرين تمثل فرقة إعلامية متميزة صنعت مجد الصحيفة منذ أيامها الأولى وكان شعارها التفاؤل.
ليس غريباً أن أصاب بـ «مرض التفاؤل» الذي أصبح تهمة يوجهها إليّ الكثير من المعارف والأصدقاء عندما أعزف على وتر التفاؤل والحب والأمل، وهو مرض أتعايش معه عن طيب خاطر وكم تمنيت أن يكون معدياً!

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock