ثقافة وفن

حلبية وزلبية.. قلعتان تتربعان على عرشين متقابلين على ضفاف الفرات

| المهندس علي المبيض

سورية مهد الحضارات التي ازدهرت في خضم تاريخها الغابر تشهد عليها الأوابد والآثار التي خلفتها تلك الحضارات والتي تعكس من خلالها إبداعات السوريين، مازال القائم منها يروي قصص الشعوب والممالك التي قامت على هذه الأرض الطاهرة، قلاع وحصون تقف شامخةً فوق قمم الجبال تحكي قصص السوريين الأوائل وغابر أمجادهم وما تركوه من رقي وارتقاء.
انتهى بنا الحديث في سلسلة مقالاتنا السابقة إلى تدمر وقلعتها الشامخة ونتابع في مقالنا اليوم الحديث عن سلسلة القلاع والحصون التي تقع في المنطقة الشرقية والجزيرة السورية.
قلعة جعبر: تقع قلعة جعبر في منطقة الجزيرة السورية فوق أكمة صخرية مشرفة على بحيرة الأسد وهي هضبة كلسية مرتفعة عن الأراضي التي تحيط بها بنحو 50م تقريباً وتقع على الضفة اليسرى من نهر الفرات إذ تبعد عنه نحو 4 كم، وبعد بناء سد الفرات عام 1974م وتشكيل بحيرة الأسد بدت قلعة جعبر متقدمة بشكل شبه جزيرة صغيرة وسط البحيرة وتبلغ أبعادها 320م ×170م، تبعد القلعة عن مدينة الرقة نحو 53 كم تقريباً وعن مدينة الثورة نحو 15كم ذكرها ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان «وكانت قديماً تسمى دوسر»، بنيت القلعة من الآجر المشوي ويحيط بها سوران يضمان عدداً من الأبراج تزيد على 35 برجاً معظمها متهدم شكلها مضلع أو نصف دائري وتبدو القلعة بشكل مستدير قطرها نحو 200م ويوجد في وسط القلعة مسجد مستطيل الشكل مبني من الآجر والحجارة الكلسية أنشئ في زمن نور الدين الزنكي وقام المغول بهدمه 1259م بقي منه مئذنة اسطوانية مبنية من الآجر ذات قاعدة مربعة مشادة على الطراز العباسي وعليها كتابات تشير إلى بانيها نور الدين زنكي وتم حفر خزانات للمياه في الصخر تحت مستوى سطح الأرض ذات سقف على شكل قبوات كما تضم القلعة بقايا عدد من المباني تعود لأمير القلعة وللحاشية، وكانت القلعة قديماً محاطة بخندق وهو ما يكسبها منعةً وتحصيناً يوصل إليها عن طريق جسر لم يبق منه حالياً إلا قواعده وكان مدخل القلعة على شكل تعرجات متكسرة زيادةً في التحصين وينسب تاريخ القلعة إلى ملكها وهو رجل ضرير من بني قشير يسمى جعبر بن سابق القشيري الملقب بسابق الدين نحو القرن الحادي عشر الميلادي ويرى الباحثون أن تاريخ بنائها الأول يعود إلى فترة ما قبل الإسلام واسمها القديم دوسر حيث إن اللقى الأثرية المكتشفة حول أسوار القلعة عام 1970 م تؤكد أن تاريخ القلعة أقدم بكثير من ذلك فقد تم العثور على كسر خزفية بيزنطية ونقد بيزنطي يرجع للقرن السادس الميلادي ويذكر البعض ومنهم ابن خلكان في وفيات الأعيان أن دوسر هو غلام النعمان بن منذر ملك الحيرة قبل الإسلام هو الذي بنى هذه القلعة لمّا جعله النعمان على أبواب الشمال ونسبت إليه واشتهرت باسم الدوسرية وقد عرفت باسم قلعة جعبر في عصر السلاجقة عندما كان يتملكها الأمير جعبر بن مالك الذي توفي عام 470 هجري، ونظراً لأهميتها التاريخية وقيمتها السياحية فقد قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بترميم جزء كبير من أسوارها وأبراجها.
قلعتا حلبية وزلبيّة حصنان يربضان على ضفتي الفرات ازدهرتا مع ازدهار الحضارة التدمرية فكانت الزبّاء في حلبية وأختها زنوبية في زلبية تتربعان كلتاهما على عرشين متقابلين على نهر الفرات، قلعتا حلبية وزلبيّة قلعتان صغيرتان تقعان عند رأس مدينة حلبية وهي القرية المحصنة المنيعة وتقع جنوب غرب نهر الفرات وزلبيّة شمال شرق نهر الفرات وتبعدان مسافة 50 كم شمال غرب مدينة دير الزور عند أحد معابر وادي الفرات، كانت القريتان تشكلان قديماً مركزاً تجارياً تدمرياً مهماً في وادي الفرات نسترجع من خلاله العصور الذهبية في عهد زنوبيا ملكة تدمر تلك الصفحة المشرقة في تاريخنا المجيد، وتختزن القريتان حلبية وزلبيّة مرحلةً مهمةً من التاريخ إذ يتميز موقع القلعتين بأهمية خاصة من الناحية الإستراتيجية والتجارية وهذه نقطة مهمة تحسب للسوريين الأوائل الذين قاموا ببناء هاتين القلعتين عندما أدركوا في تلك الفترة أن هذا الموقع هو الأهم عسكرياً وإستراتيجياً، وبعد مرور مئات السنين وتحديداً في النصف الثاني من القرن العشرين عندما تم دراسة الموقع الأفضل لسد الفرات فقد تم اختيار الموقع نفسه رغم تقدم العلوم وتطور الأدوات المستخدمة وهذا بحد ذاته نقلة حضارية مهمة ونقطة مضيئة في التاريخ السوري العريق، يعود أصل بناء القلعتين إلى تاريخ أبعد من القرن السابع قبل الميلاد وبالتحديد إلى الألف التاسع قبل الميلاد أي في فترة الملك الآشوري آشور نصر بال الذي بنى حصنين على نهر الفرات، وخلال تاريخ المنطقة الطويل انتقلت السيطرة على قلعتي حلبية وزلبيّة عدة مرات بين الأطراف المتصارعة على المنطقة وهذا يؤكد الأهمية الإستراتيجية البالغة للموقع، حيث سيطر عليها الكلدانيون بعد أن هزموا الآشوريين في معركة كركميش عام 612 ق. م كما استولى عليها الإسكندر المقدوني خلال حروبه في المنطقة بعد انتصاره على الفرس عام 331 ق. م وتشير بعض الدراسات التاريخية التي تتحدث عن سيرة حياة زنوبيا ملكة تدمر أن القلعتين كانتا تقعان تحت سيطرتها خلال فترة حكمها وحين حاصرها الإمبراطور الروماني أورليانوس لجأت إلى منطقة دير الزور واحتمت بالقلعتين حيث ألقى الإمبراطور الروماني أورليانوس القبض عليها وهي تحاول عبور نهر الفرات إلى الضفة الأخرى، كما استولى ملك فارس خسرو عليها عندما سيطر على المنطقة في منتصف القرن السادس الميلادي، بعد ذلك استرجعتها الإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور الروماني جوستنيان ثم انتقلت السيطرة عليها مجدداً إلى الفرس.
وتشكل القلعتان نموذجاً متميزاً للقلاع في المنطقة فهما مبنيّتان من الحجارة البازلتية والقرميد أضيفت إليها خلال العهد الأموي وما بعده الأحجار الكلسية وعلى الرغم من قدم تاريخ هاتين القلعتين إلا أنهما مازالتا محصّنتين بأحجار كبيرة وأسوار ضخمة وأقواس في الداخل وعلى الرغم من الخراب والتصدع الذي منيت به القلعتان فإن الزائر يجد فيهما قريتين صغيرتين متكاملتين تحكيان ذاكرة غنيّة وإطلالة رائعة على نهر الفرات.
وما دمنا نتحدث عن المنطقة الشرقية في سورية نجد أنه لا بد من تسليط الضوء على بعض المواقع غير المشهورة في المنطقة مثل بقرص وهي مدينة أثرية قديمة تقع في وادي الفرات وتبعد مسافة10 كم عن الميادين من الجهة الغربية ومسافة 30 كم جنوب شرق دير الزور، وتشير الدراسات والأبحاث التاريخية أن القرية كانت مسكونة خلال العصر الحجري أي في الألف السابع قبل الميلاد حيث بنى السوري بقرص وفق مخطط عمراني منظّم وبديع ويلبي متطلبات واحتياجات السكان في تلك الفترة من حيث أبعاد الطرق والمباني الخدمية والتجارية والسكنية المنظمة التي تصلها طرق مستقيمة وتم وضع بعض الضوابط الخاصة حيث عرف سكانها استخدام الجص في طلاء البيوت من الداخل وزينوا جدرانها ببعض الرسوم والنقوش وقد مارس أبناء مدينة بقرص الزراعة وعرفوا تصنيع أدواتها الحجرية إضافة إلى الصيد والرعي وتدجين الحيوان وأتقنوا بعض الفنون كصناعة المنحوتات الفنية والتماثيل الطينية والحجرية وصياغة الحلي وتم العثور خلال التنقيبات الأثرية فيها على العديد من الأواني الحجرية والمثاقب والقدور ورؤوس السهام والفؤوس والكؤوس والسكاكين وأدوات تدل على قيام تجارة بينها وبين بلاد الأناضول.
العشارة ترقا: وهي مدينة أثرية مهمة تقع فوق تل ترابي ينحدر بشدة على السهل المحاذي لنهر الفرات وتبعد مسافة 60 كم جنوب شرق مدينة دير الزور، تم العثور خلال التنقيبات الأثرية فيها على لقى وأدلة تشير أنها كانت مسكونة منذ السومريين أي في بداية الألف الثالث قبل الميلاد، وفي الألف الثاني قبل الميلاد كانت مدينةً مهمةً تتبع إلى مملكة ماري وبلغت المدينة أوج ازدهارها في عهد ملكها كبري دجن الذي أشاد العديد من معابدها ومبانيها، وبعد هزيمة مملكة ماري وتهديمها من حمورابي أصبحت العشارة ترقا مملكة مستقلة وتطورت علاقاتها وتجارتها مع بلاد الرافدين والمدن السورية الأخرى.
تل الحمام التركمان زلبا: وهو تل أثري قديم يتبع إدارياً لمنطقة تل أبيض في محافظة الرقة ويقع على الضفة الشرقية لأحد روافد نهر البليخ في جوار قرية حمام التركمان ويبعد نحو 80 كم عن مدينة الرقة من الجهة الشمالية، قدّر الباحثون أن تاريخ هذا التل يعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد واستمر من عصر البرونز الأوسط، وفي العصور الرومانية والبيزنطية والعربية والإسلامية وخلال التنقيبات الأثرية التي قامت بها المديرية العامة للآثار والمتاحف وبعض البعثات الأثرية تم العثور على طريق تحف به مساكن من مستوى عصر البرونز الوسيط وفي مستوى أقدم منها ظهر معبد ضخم يعتقد أنه موقع مدينة زلبا التي يعود تاريخها للألف الثاني قبل الميلاد.
ونبقى نحن أصحاب وعشاق هذه الأرض الطاهرة..

مستشار وزير السياحة

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock