قضايا وآراء

عندنا تعجز واشنطن عن شن حرب لمصلحة إسرائيل

| تحسين الحلبي

في حرب تموز الإسرائيلية عام 2006 على جنوب لبنان انتصرت المقاومة اللبنانية وحلفاؤها في سورية وإيران وفلسطين على أكبر حرب تخوضها إسرائيل بعد هزيمتها الأولى في لبنان عام 2000. وفي ذلك العام وظروفه كان عدد القوات الأميركية في العراق وعلى حدود سورية يزيد على مئتي ألف وكانت سورية وإيران وحدهما تقدمان الدعم والسلاح للمقاومة وسيادتها السياسية وبعد تلك الهزيمة الإسرائيلية الإستراتيجية بدأت القيادة الإسرائيلية تشن أكبر حملة تحريض لدفع الإدارة الأميركية والقوى الغربية لشن الحرب المباشرة على إيران ومحاصرة سورية. وكانت القيادة الإسرائيلية تستند إلى وجود قوات الاحتلال الأميركية بكل ترسانتها الحربية الموجودة في العراق للقيام بهذه المهمة لأنها كانت تدرك أن الحروب التي تشنها إسرائيل وحدها لم تعد تحقق أي هدف بل ترتد عليها بالهزيمة وسقوط الحكومات.
وهذا ما جعل حكومة إيهود أولمرت السابقة تسقط عام 2009 ويصبح بنيامين نتنياهو رئيساً للحكومة الإسرائيلية ويوسع مطالبته للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما بشن الحرب الأميركية على إيران بحجة محاولتها صناعة القنبلة النووية.
خلال الأعوام العشرة الماضية لم تنجح تل أبيب بإقناع ودفع أميركا لشن الحرب، بل إن أوباما قام عام 2012 بسحب قواته من العراق بسبب مطالبة الشعب والحكومات العراقية بسحبها نهائياً، وفي هذه الظروف لبى خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب جميع مطالب إسرائيل في القدس وفي الجولان وفي السير على طريق تصفية القضية الفلسطينية وفي حماية كل أشكال العدوان الإسرائيلي على سورية والشعب الفلسطيني.
لم يتوقف نتنياهو عن مطالبة ترامب بشن الحرب من دون جدوى لأن قيادة الجيش الأميركي تدرك أنها ستكون حرباً لن تستفيد من نتائجها أميركا لأنها لن تستطع في حرب كهذه إخضاع إيران وسورية وحلفائهما بل ستزيد من أزمات أميركا في المنطقة وخاصة بعد التحالف الروسي الصيني مع إيران وسورية. ولذلك قرر نتنياهو تنفيذ كل أشكال العدوان على سورية وإيران بهدف توريط واشنطن، وكان آخر هذه الأشكال العدوانية ضرب مواقع للحشد الشعبي في العراق واستفزاز المقاومة في لبنان وإطلاق التهديدات بضرب المفاعلات النووية السلمية في إيران، وبهذه الطريقة أراد توسيع دوائر الصدام الحربي نحو العراق بهدف توريط ترامب ودفعه لزيادة عدد قواته في العراق والتسبب بأزمة تمهد لإشعال فتيل حرب جديدة في الخليج على إيران وتوسيعها لتشمل محور المقاومة في سورية ولبنان. وهذا ما أكده الكاتب السياسي الأميركي باتريك بوكانا الذي عمل مستشاراً خاصاً للرؤساء الأميركيين السابقين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد ورونالد ريغان إضافة إلى مؤلف كتاب «موت الغرب».
فقد كشف في تحليل نشره في المجلة الإلكترونية الأميركية «أنتي وور» في 27 آب تحت عنوان: «هل تصبح حرب نتنياهو حرب أميركا؟» أن أي «حرب يشنها ترامب في المنطقة بقوات أميركية ستؤدي إلى إسقاطه في الانتخابات المقبلة، فأميركا تبذل كل ما في جهدها لتجنب حرب على إيران وسورية لأسباب كثيرة منها أن عدد قواتها في العراق لا يزيد على 5000 وفي سورية 2000 تقريباً، ثم إن حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنيكولن» برغم أنها تحمل 5600 من البحارة إلا أنها تخشى الاقتراب من مضيق هرمز وما تزال بعيدة 600 ميل بحري عن إيران وهذا يدل على أن ترامب لا يريد شن حرب؟
يضيف بوكانان: إن نتنياهو لا يرى سوى نفسه ولا يرى ما يمكن أن تخسره واشنطن ولذلك يعمل على توسيع عدوانه ليصل العراق واليمن لأنه يعتقد أن هذا الدور الإسرائيلي سيجبر ترامب على ارتكاب الخطأ المميت.
ويؤكد بوكانان أن إسرائيل تواجه أسوأ أوضاعها لأنها تقع وسط جوار يعاديها من غزة إلى سورية إلى لبنان إلى إيران إلى العراق وهؤلاء قادرون على حشد عشرات الملايين ومستعدون لإنهاء وجودها في المنطقة.
ويتساءل بوكانان: «أما بالنسبة لأميركا فالسؤال واضح: هل استسلمنا لنتنياهو لتصبح مصلحته تفوق مصلحة أميركا، فهذه الحرب ليست حربنا».
الحقيقة أنها ليست حرب أميركا لأنها ستدفع ثمناً باهظاً فيها، وإذا كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن التي احتلت العراق لم تستطع عام 2006 بوجود 200 ألف من قواتها شن حرب شاملة على إيران أو سورية فكيف يمكن لترامب شن حرب أميركية مباشرة على إيران أو سورية وكفة ميزان قوى أطراف المقاومة ازدادت قوتها أضعافاً عما كانت عليه عام 2006.
على حين أن كفة ميزان قوى أميركا وحلفائها تناقصت ولم يعد في مقدورها السيطرة وتحقيق أهدافها، ولذلك يعتقد بوكانان أن نتنياهو لن يجرؤ على شن حرب لا تشاركه أميركا فيها بقواتها، وهذا يدل على تراجع حاد في قدرات إسرائيل على التصعيد العسكري.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock