قضايا وآراء

أي دور للحثالة؟

| نبيه البرجي

ذاك الذي يتحدث، بلغة أفلاطون، عن اللجنة الدستورية. هو الذي بأسنان الذبابة (وبدماغ الذبابة). ما نعلمه بالتفصيل عن تلك الشخصية الهلامية، بكل مواصفاتها الزبائنية، أنها سقطت في إغواء إحدى زعامات القرن التاسع عشر، لتكون بين نجوم الدولة البديلة في سورية.
كثيرون في مواخير إسطنبول، أو في كهوف الرياض، استشعروا لحظة الهاوية. ما يبتغيه الباب العالي المثقل بالتاريخ الرث، وبالأيديولوجيا الرثة، استعادة السلطنة عبر البوابة السورية، من دون أن يدرك، بتلك النرجسية القاتلة، أن تركيا لم تعد أكثر من مخلب أميركي، بدور لا يتعدى دور الحرملك.
وما يبتغيه البلاط السعودي، بثقافة داحس والغبراء، ومن دون أن يغيّر في الأمر شيئاً تبادل الأدوار بين عبد العزيز الـشيخ وجون ترافولتا، إقامة إمبراطورية تمتد من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط، كحالة فولكلورية داخل الأوركسترا الأميركية.
أي نموذج يقدمه رجب طيب أردوغان الذي وضع آلاف الجنرالات، والقضاة والأكاديميين والصحفيين، وراء القضبان؟ غداً، قد نجد عبدالله غول وأحمد داود أوغلو وعلي باباجان وآخرين من نجوم «العدالة والتنمية» تحت سطح الأرض.
وأي نموذج يقدمه محمد بن سلمان الذي تواطأ مع بنيامين نتنياهو في تسويق «صفقة القرن»؟ حيث التبعية الأبدية للهيكل، من دون النظر إلى سياسات الاستنزاف التي تمارسها الإدارة الأميركية لثروات المملكة، ولأرصدة المملكة، التي يقول الباحثون الأميركيون إنها تمضي، بخطى حثيثة، نحو الانفجار، «لتغدو العباءات الخشبية عارية ومحطمة»، كما كتب أحد المدونين، وقد تمكن من الإفلات من جهنم.
من يتحدث في اللجنة الدستورية من إسطنبول أو من الرياض؟ أي رأس يحمل على كتفيه (رأس السلحفاة أم رأس الأفعى)؟ لا مكان لأحصنة طروادة. الأحصنة التي تعمل لعودة النير العثماني، وقد دفعنا لأربعة قرون بعيداً عن ديناميكية الأزمنة، أو التي تعمل لتحويل بلادها إلى محظية لدى من لا يزالون بين قدمي شهرزاد. إذا شئتم… بين قدمي إيفانكا!
إياه الذي تحدث من أحد فنادق المملكة عن اللجنة الدستورية. أين أنت؟ ومن أنت؟ ما المثال الذي تحمله في مخيلتك؟ الكثيرون آثروا الخروج من صناديق القمامة، وقد تصوروا، بدماغ الذبابة إياها، أنهم من يتولون إدارة الخيوط. في منتصف الطريق بدوا على شاكلة العناكب الميتة.
ليقل لنا هؤلاء أين موقعهم الآن في رؤوس السوريين؟ الذين تواطؤوا مع قتلة الأرض، بالياقات البيضاء أم بالسواطير، وضعوا ظهورهم بتصرف من كان يراهنون على اندثار الدولة في سورية بين ليلة وضحاها. خذلوا حتى عادل الجبير الذي عاد وتساءل عن الجدوى «من الصدمات الكهربائية لإحياء من هم في حالة الموت السريري».
ما العمل إذا كان البلاط لم يعد يمسك سوى بتلك الحثالة التي ما برحت تتقيأ شروطها، كما لو أن السوريين لا يعلمون أنهم الأبناء الشرعيون للعار؟
الذين يحق لهم البحث في الدستور ليسوا أصحاب الرؤوس الملطخة بالوحل، وبالدم، بل كل سوري تستوطن سورية في عظامه. هؤلاء الذين تحملوا آلام الجلجلة، وأسقطوا ليل البرابرة. هم موجودون في كل مدينة، وفي كل قرية، وفي كل بيت. الوجوه التي تشبه السنابل مثلما تشبه الجبال.
حتى الآن لم يلاحظ قهرمانات الباب العالي، وقهرمانات البلاط، أنهم الجثث التي إما أنها تمضي إلى صندوق القمامة أو أنها تمضي إلى المقبرة.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock