ثقافة وفن

في معرض الكتاب في مكتبة الأسد: اليهود ليسوا الإسرائيليين … د. فاضل الربيعي: فرعون في النص الديني ادّعى الربوبية وفراعنة مصر دعوا للتوحيد!

| جمان بركات

تقول أطروحة د. فاضل الربيعي النظرية إن التوراة في نصها العبري المعتمد رسمياً لا تقول بأي صورة من الصور إن القدس هي أورشليم، ولا يوجد أي نص أو جملة أو إشارة في التوراة تقول إن مدينة القدس هي نفسها مدينة أورشليم، وعلى العكس من ذلك، التوراة وهي تصف مكاناً بعينه تسميه «قدس» من دون ألف ولام، تصفه بأنه جبل.
بدأ د. فاضل الربيعي محاضرته- التي أقيمت في مكتبة الأسد، وضمن الفعاليات الثقافية المرافقة لمعرض الكتاب بدورته الحادية والثلاثين- وجاءت بعنوان «السرديات التاريخية» بتعريف السرديات التاريخية التي هيمنت بفضل مناهج التعليم، وربما أئمة المساجد والخطباء، وكتاب التاريخ التقليدي، وأسسها وأنشأها الفكر الاستشراقي اللاهوتي، وقد أقنعتنا السرديات طوال أكثر من مئة عام أن القدس هي أورشيلم، ونابلس هي شكيم، وإسرائيل الموجودة غرب فلسطين كانت منذ ألفي عام، وحائط المبكى جزء من حائط قديم، وإلى ما ذلك من صور زائفة.

بنو إسرائيل واليهود
وأضاف: في الحقيقة، هناك خلط في السرديات متعمد وناجم عن سوء فهم وتقدير، فمثلاً في سور القرآن الكريم يجري الخلط بين بني إسرائيل واليهود، وهذا يضرب بجذوره إلى بدايات ما يمكن تسميته بعصر الانحطاط في الدولة الإسلامية عندما عكف الكثير من المفسرين إلى الخلط بينهما في النص القرآني ثم سرعان ما دخل هذا الخلط في السرديات التاريخية عن المنطقة وتاريخ شعوبها.
يميز القرآن الكريم بين اليهود وبني إسرائيل في معرض الإشارة إليهم في الآية التي تقول: «يَا بَنِي إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ»، وهذا دليل على أن بني إسرائيل هم جماعة بشرية قبلية لها مكانة دينية وعائلة مقدسة أفرد لها القرآن مكانة متميزة، وعندما يرد اليهود يكون في معرض التنديد والإشارة إلى أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه.

الإسلام وقريش
الكنعانيون
ميز د. فاضل الربيعي بين الإسلام كدين وقريش قبيلة، فليس كل مسلم من قريش، وتحدث عن أن هذا التمييز ضروري لطرح الأفكار المتعلقة بكيفية صناعة الهوية في المنطقة، حيث قال: لقد عملت جماعات لاهوتية مستشرقة في تنقيب الآثار -80 منهم كانوا خريجي معاهد لاهوتية يهودية وليس خريجي آثار- قاموا بكتابة السرديات التي هيمنت على عقولنا طوال 200 عام الماضية ونحتوا هذه المصطلحات. هناك أربع هويات زائفة ما تزال تهيمن على عقولنا، الاصطلاح الأول مستعمل وسط فلسطين وهو «الكنعانيون»، ما من فلسطيني اليوم إلا ويفتخر أنه كنعاني ويعتبرها هويته، ولكن دون أن يعرف أن هذا المصطلح الزائف الذي نحت بخبث ودهاء هو مصطلح تحقيري القصد منه تحقير الفلسطينيين وليس تكريمهم.
المصدر الذي استمد اللاهوتيون والآثاريون هذا المصطلح منه هو التوراة، والمصدر الثاني هو السجلات الآشورية عندما تحدث أنهم اصطدموا بجماعة سموها «الكنعانيون» لذلك قام هؤلاء بمطابقة النص التوراتي مع المصطلحات التي وجدت في السجلات الآشورية، وأكدوا أن هناك عرقاً قائماً بذاته هو الكنعاني ولا علاقة له بشعوب المنطقة أي ليس عرقاً عربياً. في سفر التكوين يوصي النبي إبراهيم إسحاق: «لا تأخذوا من بنات كنعان لأنهم نجاسة»، وإسحاق يوصي يعقوب بذلك، ويعقوب يوصي أولاده، لماذا يعتقد بنو إسرائيل أن الكنعانيين نجاسة؟ في إطار صراع جماعات قبلية صغيرة فوق أرض جغرافية محدودة لا علاقة لها بفلسطين سنجد أن الأساس الوحيد لاستخدام هذا التعبير أن الجماعة الإسرائيلية تعترف بالختان، في حين الجماعة القبلية الأخرى «الكنعانيون» لا تؤمن به وترفضه واحتجت عليه وبالتالي كانت في نظر الإسرائيليين جماعة نجسة.
المصدر الثاني السجلات الآشورية ابتداءً من سجلات «شلمنصر الأول» من 1258 نزولاً حتى سنحاريب ونبوخذ نصر 605 قبل الميلاد يتكرر مصطلح الكنعانيين في سياق مختلف عن الرواية اللاهوتية، تقول السجلات إن الآشوريين اصطدموا بجماعة تدعى الكنعانيين، وهذا الاصطدام حدث بعد قيام بني إسرائيل بالصدام مع الحميريين والآراميين والكنعانيين والسبئيين في فلسطين وهذا غير منطقي، ما الذي جاء بالسبئيين والحميريين إلى أرض فلسطين؟ هذا يعني أن مسرح الأحداث يدور في رقعة جغرافية أخرى لا علاقة لها بفلسطين، لو نقلنا مسرح أحداث التوراة من الرواية الاستشراقية من فلسطين إلى اليمن فستبدو هذه الجماعات داخل بيئة يمنية، ما يؤكد أن النص التوراتي لا علاقة له بفلسطين. وفي الوقت نفسه يخفي علماء إسرائيل الحقيقة الداعمة والقائلة إنهم يستعملون في بحوثهم العلمية ودراساته التاريخية مصطلح العبرية السبئية أو الكنعانية، ويؤمنون أن العبرية التي كتبت بها التوراة هي كنعانية أو سبئية.

الفراعنة
وأضاف د. الربيعي: ما من مصري اليوم إلا ويتفاخر بأنه فرعوني والكل يتحدث عن هذه الحضارة، في الحقيقة كلمة «فرعون» كلقب أو تعبير غير موجودة في السجلات، هناك قوائم باسم أسر الملوك، 20 أسرة حاكمة في مصر، ويطلقون على أنفسهم لقب ملك وليس فرعون، بل أكثر من ذلك اسم مصر لم يظهر في السجلات المصرية القديمة إلا بعد 750 قبل الميلاد وقبل ذلك كانت تسمى «إيجبت».
ظهر مصطلح فرعون مع انتشار قصص القرآن والتوراة، لكن المشكلة أن فرعون ادعى الربوبية في النص القرآني «أنا ربكم الأعلى»، وبتسلسل ملوك مصر لا يوجد ملك مصري ادعى أنه فرعون أو الربوبية بل على العكس مالوا إلى التوحيد، أما بالنسبة للتوراة فهي لا تتحدث عن مصر بل تذكر اسم «مصريم»، وفي القرآن يرسم الاسم «مصراً»، وقد أثار هذا نقاشاً بين اللغويين العرب القدماء، ووقعوا في إشكالية عندما حاولوا تصريف اسم مصر لكونه ممنوعاً من الصرف، لكن الكشوفات الأثرية عثرت على «مصراً» في اليمن وليس مصر البلد العربي.
المقصود بكلمة «مصراً» في القرآن هي المملكة اليمنية فيها سجل يعرفه كل علماء الآثار بتسلسل ملوكها وسنوات حكمهم، وإلى الجوار نشأت مملكتان صغيرتان «قتبان وأوسان» وعرفتا بأرض كنعان وتتحدثان بلغتها، وعُرفت إحدى أسر ملوك أوسان بأسرة الفراعنة، وفي النهاية المقصود من إطلاق تعبير فرعوني على شعب مصر هو لتصنيع هوية لهم.

الفينقي والآرامي
وتابع د. الربيعي: يردد بعض السوريين واللبنانيين كلمتي فينيقي وآرامي ويفتخرون بها، وما يعزز هذا الاعتقاد هو الكتب التي تصدر عن علماء الآثار، ويصدقون الخرافة الاستشراقية اللاهوتية التي تقول إن سورية وقعت تحت الاحتلال الآرامي عام ألف قبل الميلاد، وتصف التوراة الآراميين على أنهم جماعة صغيرة تتحدث لغة دينية خاصة بها، وتكتب بحرف خاص هو المربع، ويروى عنها قصص مختلفة مثلاً عندما اصطدم بنو إسرائيل بالآراميين ونشب بينهم معارك، وقعت حادثتان مثيرتان الأولى اتهام بني إسرائيل للآراميين بنصب كمين لهم بعد عودتهم من مكان مقدس بطشوا بهم، والثانية اختطاف الآراميين لفتاة إسرائيلية صغيرة ووضعها في معبد نعمان، هذا لا يمكن أن تكون صورة جماعة تملك حضارة عظيمة كالآرامية التي زحفت واحتلت سورية. وما يؤكد ذلك أنه ورد في التوراة كيف أن كاهن أورشيلم الأعظم قام بمخاطبة بني إسرائيل متحدثاً عن الآراميين بأنهم أخوتنا، والفرق بينكم وبينهم أنكم تعبدون إله المرتفعات وهم يعبدون إله الوديان. في السجلات الآشورية هذه الجماعات ذاتها اصطدمت بالآشوريين، وكانت بحالة تحالف مع الإسرائيليين، فهل من المنطقي تجاوز هذه القبيلة الصغيرة مسافة ألفي كم لتحتل سورية؟
الآراميون في سورية هم مواطنون سوريون وعرب يتحدثون لغة دينية خاصة بهم، أما العرق الفينيقي لم أجد دليلاً على وجوده، لدي دليل من هيرودوت عام 500 قبل الميلاد كتب في كتابه الشهير «كتاب التاريخ» حرفياً ما يلي: «بناء على تحقيقاتي التي قمت بها أستطيع أن أؤكد أننا نحن الإغريق واليونانيين ندين بلغتنا وأسماء آلهتنا وأساطيرنا إلى الفينيقيين الذين جاؤوا من البحر الأحمر»، هذا يؤكد وجود بيئة عربية تمتد من البحر الأحمر إلى المتوسط.
وختم بالقول:تمنع الغرب طوال مئتي عام عن نطق الإمبراطورية السورية، وتعمدوا بالقول «الإمبراطورية الآشورية» وركبوا هويات الغرض منها تمزيق النسيج الجغرافي والاجتماعي والتاريخي للجماعات الساكنة في هذه المنطقة وخلق عرقيات لا وجود لها.
والجدير بالذكر أن فاضل الربيعي مفكر عراقي مقيم في هولندا له ما يزيد على ثلاثين مؤلفاً، وهو شخصية استثنائية يجمع بين الباحث في أصول التاريخ وتشابك مصادره الزمنية والسياسية، وبين كاتب الرواية والمقال.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock