ثقافة وفن

من المستبعد حالياً أن أكرر تجربة ثانية في التلفزيون … ديانا كمال الدين لـ«الوطن»: دور السينما والدراما نشر الوعي حول القضايا الوطنية

| رامه الشويكي

هي الحاضرة بشخصيتها، قلمها، ورسالتها، القادرة على توثيق الوقائع بكتاباتها، استطاعت في وقت قصير أن تحجز لنفسها مكاناً لافتاً في عالم الكتابة السينمائية مع أفلام «فانية وتتبدد»، «رد القضاء»، ومؤخراً فيلم «دم النخل»، وأن تخوض تجربتها الدرامية الأولى مع مسلسل «وحدن» العام الماضي، هي الكاتبة «ديانا كمال الدين» التي خصت «الوطن» بحوار حول موضوعات كتاباتها والرسالة التي تسعى لإيصالها للمشاهد وجاء كالتالي:

متى لمست ميلك للكتابة؟
بدأت الكتابة منذ الصغر، واتجهت للقصة القصيرة، الرواية، وبدأت أشارك في المهرجانات عام 2006، أو 2007، لم تكن الكتابة مهنتي الأساسية نظراً لمحدودية الدخل الذي تؤمنه، لكن بقيت موهبتي التي أمارسها إلى أن تأتي الفرصة المناسبة، وفي عام 2014 تعاونت للمرة الأولى مع المخرج نجدة أنزور في فيلم «فانية وتتبدد»، واستمر هذا التعاون مع فيلم «رد القضاء» ومسلسل «وحدن» ومؤخراً فيلم «دم النخل».

ما دوافعك لدخول عالم الكتابة السينمائية؟
يمكن أن نصف الجيل الحالي بأنه جيل لا يقرأ، ووجدت أنني مهما حاولت في كتابة القصة القصيرة أو الرواية فسيبقى الجمهور محدوداً جداً ومنتقى، ومن الصعب أن تصل رسالتي ككاتبة من خلالها، كما أن الصورة اليوم هي مالكة كل شيء سواء في السينما أم التلفزيون أو مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من أن السينما في بلدنا حلقة ضعيفة لكنها لا تزال وثيقة مهمة جداً يجب العمل من خلالها ولاسيما في الأزمة التي نمر بها، لأنها تصل إلى شريحة واسعة من الجمهور، ويمكن للكاتب أن يمارس من خلالها دوراً مهماً.

تشكلين شريكاً للمخرج نجدة أنزور في ثلاثية «فانية وتتبدد»، «رد القضاء»، «وحدن» ومؤخراً فيلم «دم النخل»، ما أهمية هذه الشراكة برأيك؟
تبدأ الشراكة بعمل وتستمر بسبب وجود لغة مشتركة بين فريق العمل ككل، حتى طاقم العمل من فنيين أغلبهم مكرر لأن هناك لغة واضحة، وبالتالي يمكن أن نبني على النجاح ونتجنب الأخطاء، لهذا نميل لتكرار التجربة مع الأشخاص ذاتهم، ولهذا الموضوع سلبياته وإيجابياته، التي قد تتجسد بأن يتهم الشخص بالشللية، وأنه ينتمي لفريق معين دون آخر، لكن في الحقيقة هناك مجموعة من الأشخاص بينهم «كيميا» معينة تجعلهم ينتجون شيئاً أفضل، على حين إذا اتجهنا في كل عمل لأشخاص جدد، لا توجد لغة مشتركة بينهم فعلينا البناء من الصفر، وبالتالي نبقى نراوح في المكان ذاته.

وعند سؤالنا لها عن التخوف من تكرار نفسها ككاتبة أجابت:
اختلاف المواضيع من عمل لآخر يجعلنا نبتعد عن التكرار، وتكرار فريق العمل الفني لا يؤدي لأن يكرر الكاتب نفسه، قد يحدث التخوف عند تكرار الموضوع في حال لو استمرت الأعمال باتجاه «داعش»، لكنني كسرت هذا الموضوع وابتعدت كلياً بمسلسل «وحدن»، ولكن مع الأسف ولأن ظروف بلدنا تمر بأزمة لا يمكن أن نتحدث عن قصة حب، أو قصة اجتماعية تحوي رفاهية إنسانية لأننا نعيش على حافة القاع، إضافة إلى أننا مضطرون لأن نعالج مشاكل الأزمة، كي تبقى هذه الأعمال وثائق للأجيال القادمة تبين ما مررنا به خلال السنوات الأخيرة.

لماذا انتقلت من الكتابة للسينما إلى التلفزيون مع مسلسل «وحدن»، وكيف تقيمين تجربتك الدرامية الأولى؟ وهل هناك مسلسل آخر قريباً؟
لكل من السينما والتلفزيون متعته الخاصة، السينما مكثفة جداً، يجب علينا تكثيف كل شيء، ولها حدود معينة، بسبب الإنتاج وغيره، على حين في التلفزيون لدى الكاتب مساحة أوسع تريحه، وبالمقابل له مشاكله الأكبر، في الفيلم يجب كتابة مئة مشهد أو 110 مشاهد، على حين في التلفزيون علينا كتابة ألف مشهد، والتحدي الكبير يكمن بمد الشخصيات على مدار ثلاثين حلقة، والانتقال إلى الدراما مع «وحدن» كان تحدياً لنفسي أولاً، ولأنني أجد أنه على الكاتب أن يجرب، وحالياً هناك تجارب باتجاه المسرح، لأعرف ككاتبة أين يمكن أن أجد نفسي أكثر، ولا يمكن الوصول لتلك النتيجة إلا عندما ينتهي المنتَج ويعرض على الجمهور لتكتمل الدائرة الخاصة بدورة حياة العمل الفني.
وعن إمكانية كتابتها لمسلسل آخر قريباً تتابع قائلةً: لا أعتقد أن هناك مسلسلاً جديداً في «سورية»، لأنه اليوم في الأزمة يتحكم في الإنتاج أشخاص أجد أنهم غير أهل نهائياً ليكونوا مسؤولين عن نوعية المنتج الفني (الكاتب، المخرج، وغيره)، المنتج الفني في الدراما السورية أصبح خاضعاً لرأي صاحب الرأسمال «المنتج»، وبالتالي تنحدر المواضيع لأنه يريد موضوعات تباع للقنوات، بحجة أن الجمهور يريدها، لكن في الحقيقة لا يريد الجمهور أعمالاً سخيفة تمزق العائلة السورية أكثر، مثل الخيانة، الغدر، المخدرات، وغيرها، التي تغرق المجتمع أكثر، برأيي هذا ليس دور الدراما، ولست مع مقولة إن الدراما مرآة الواقع، لأن المشاهد يعيش الواقع، وعلينا أن نعرض له واقعاً أفضل يمكن أن يعيشه إن حاول، علينا ألا نبقى نتكلم بالطريقة نفسها، والكاتب لا يمكن أن يعيش تحت رأي المنتج، لذلك من المستبعد حالياً أن أكرر تجربة ثانية في التلفزيون.

لماذا اعتمدت البطولة النسائية بمسلسل «وحدن» وهل يعكس ذلك تصوراً معيناً لديك يحاكي المجتمع، أم يكون انطلاقاً من إيمانك بمكانة المرأة؟
إيماني بمكانة المرأة مطلق، وأعرف ما يقال على أن المرأة في بلدنا متحررة أكثر من الدول المجاورة أو دول الخليج، لكنني أرى أن المرأة حتى في «سورية» لديها حرية مقنعة، أو حرية بما يقال على الإعلام، لكن على أرض الواقع المرأة غير حرة أبداً، ولا تزال في نقطة الصفر فيما يتعلق بالحقوق، حتى غير معترف بها حقيقة ضمن الأسرة كإنسان كامل، بل على العكس هي دائماً منتقصة، لتأثير عدة عوامل منها: الدين، المجتمع، العادات والتقاليد، ومن ثم أشعر أننا بحاجة إلى مزيد من الجهود لنقول إن المرأة في «سورية» متحررة، ومن هنا كان دور «وحدن» بأن يتناول المرأة السورية ضمن الأزمة التي مرت بها، رغم أن كثيراً من الآراء أخذته باتجاه الفنتازيا، وهذا صحيح إلى حد ما، لكنه يعكس الواقع السوري بشكل كامل وخصوصاً الواقع السياسي، وكان من الصعب جداً التعامل مع 45 شخصية نسائية فيه، وهو تجربة كان من الممكن أن تنجح لو كانت جهة الإنتاج فعلاً متفهمة لطبيعته.

هل ينضخ قلمك للسينما أكثر أم للتلفزيون؟
أعتقد أنني أفضل الكتابة للسينما حالياً لأن الشركاء الحاليين من ناحية الإنتاج والإخراج متعاونون أكثر، ولأن زمن تنفيذه قصير، مع الأسف نحن لا نعرف أن ننفذ مشاريع طويلة الأمد، فالمسلسل ليخرج بصيغة مناسبة يحتاج لوقتٍ كافٍ من ناحية التحضير، الكتابة، الإنتاج، وغير ذلك، على حين نحن نقوم بتنفيذ الأعمال لأن هناك موسماً رمضانياً وهذه كارثة أوقعت الدراما بأزمة كبيرة.

ما الرسالة التي تسعين لإيصالها من خلال كتاباتك؟
هناك العديد من الرسائل منها ما يتعلق بدور المرأة، وأعرف أنه لو استطاعت المرأة أن تدرك قيمتها، وقدرتها لكان إصلاح المجتمع وإصلاح كل شيء سهلاً، لكنها مغيبة مع الأسف ضمن المجتمع الذكوري، على حين يمكن لها أن تقلب المعايير كاملةً كما قلنا بـ«وحدن»: (امرأة واحدة قادرة على قلب كفة الميزان)، وهذه واحدة من القضايا التي أحاول أن تبقى موجودة في الأعمال، كما علينا أن نعود لقضايانا الوطنية التي أفرغت تماماً خلال السنوات العشر الأخيرة وخصوصاً مع الهجمة الكبيرة لوسائل التكنولوجيا، ومواقع التواصل الاجتماعي، ونسبة كبيرة من الجيل الجديد لا يملك أي رؤية أو هدف أو طموح، بل ضائع بسبب ما يصله من «السوشيال ميديا» وكل ما يحيط به مما يدفعه بذلك الاتجاه، وبالتالي دور السينما والدراما قدر الإمكان نشر الوعي حول القضايا الوطنية التي علينا أن نحارب لأجلها.

كيف استطعت عكس القيم الإنسانية والوطنية من خلال كتاباتك لأفلام «فانية وتتبدد»، «رد القضاء»، وفيلم «دم النخل»؟
أهم شيء أن تكون البوصلة باتجاه الوطن، بغض النظر عن كل الأقوال التي تقول إن الكرة الأرضية أصبحت قرية صغيرة، وعن ضرورة التعاون بين البشر، أثبتت اليوم تجارب السوريين الذين سافروا خارج «سورية» أنه مهما كان الحلم في الخارج مغرياً، في النهاية عندما يصل المرء إليه يبقى حلماً، وما لا يستطيع أن يقوم به المرء داخل أرض الوطن لن يستطيع أن يقوم به خارجها، وبالتالي هذه هي البوصلة التي يجب أن تكون، رغم أن بلدنا غير كاملة وفيها مشاكل قد تفوق الأزمة، لكن في حال سافر كل منا وترك البلد، من الذي سيقوم بإصلاحها، والعمل لأجلها؟
لسنا قادرين على أن نقلب كل شيء بين يوم وليلة لكن على الأقل يجب أن نستمر بالمحاولة، علينا العمل في هذا الوطن لأننا لا نملك خيارات أخرى، والذين جربوا هذه الخيارات شعروا بالندم بعد فترة قصيرة، الوطن ليس رقعة جغرافية، بل هو بداخل كل منا، فحتى عندما يسافر المرء يبقى الوطن يعيش بداخله.

ما الذي يميز «دم النخل» عن الفيلمين الآخرين من حيث الحبكة، والموضوع؟
يمكن أن يتهمنا البعض بالتكرار، لأننا نسير بهذا الاتجاه، على حين يفضل آخرون عدم تناول الأزمة، أرى أننا ملزمون، وهناك واجب تجاه أبطال الجيش العربي السوري الذين قدموا حياتهم، وأعضاء من أجسادهم، حتى لا يقسم البلد ولكي تبقى له سيادته، فهذا الشاب في العشرين من العمر يفقد أحلامه، آماله، حبه لأهله، وحبيبته، طموحه، يموت بلحظة مع طلقة رصاصة، هؤلاء الذين يجب أن نوثق حياتهم، وفي فيلم «رد القضاء» تناولنا موضوع إنسان، وحياة أشخاص وهم ليسوا مجرد أرقام، وعندما نقول استشهد عشرة أشخاص هذا يعني عشرة أحلام، عشر أسر، عشر أمهات لأيتام، جميعهم فقدوا فلذات أكبادهم، وهنا البوصلة تكون وفاءً لتضحياتهم، وفي «دم النخل» كانت الفكرة للمخرج «نجدة أنزور» عن ضرورة تناول الشهيد «خالد الأسعد» الذي نكست عدة دول أجنبية أعلام متاحفها حداداً عند استشهاده، والذي لم يعرفه الكثيرون قبل وفاته، لم ننصفه وهو حي، وعلينا على الأقل أن ننصفه بعد استشهاده، ولكن هذه القصة كانت كافية للقيام بعمل وثائقي عن حياته، ولا تكفي للقيام بعمل درامي سينمائي لأنه يحتاج إلى مزيد من الأحداث التي تصنع كتلة الفيلم، وهنا أدخلت قصة ثلاثة من جنود الجيش العربي السوري من غير ذوي الرتب، لأن هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون، وهنا نروي عن حياتهم مع قصة حياة الشهيد «خالد الأسعد»، وفيلم «رد القضاء» كان أغلبه توثيقي من ناحية المعلومات إضافة إلى الحبكة الدرامية، أما في «دم النخل» فعرفت كيف حدث الهجوم عسكرياً، وركزت على آخر ثلاثة أيام من حياة الشهيد، وزرعت ضمنهم قصة الجنود الثلاثة، وهم متخيلون من ناحية الشخصيات وليسوا حقيقيين.
اختتمت الكاتبة ديانا حوارها مع «الوطن» عن التكريم قائلةً: أعتبر نفسي ما زلت في البدايات ولا تزال مسيرتي قصيرة، وما أنجزته من أعمال يعتبر جزءاً صغيراً جداً أمام من ضحوا بحياتهم، وهناك أشخاص أحق بالتكريم، ونحن نعيش بسبب تضحيات الآخرين.

ديانا كمال الدين
كاتبة سورية من مواليد السويداء عام 1980.
حاصلة على إجازة باللغة الإنكليزية.
حائزة على:
جائزة المزرعة عام 2007 عن أفضل قصة قصيرة.
الجائزة الثانية عن رواية كتبتها بمهرجان المزرعة عام 2009.
جائزة أفضل سيناريو عن فيلم «فانية وتتبدد» في إيران.
وجائزة من اتحاد الكتاب العرب عام 2005 عن مجموعة قصصية.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock