ثقافة وفن

النوادي الثقافية غائبة…. والأدباء الشباب مازالوا يبحثون عن أجوائهم … النوادي حاضنة المواهب الجديدة ومنبر للأقلام الواعدة

| جُمان بركات

بعيداً عن التعاريف الكثيرة للثقافة وأهميتها التي يعرفها الجميع، ولا يتوانى البعض عن ذكرها في الكثير من المناسبات كأنها جمل تتردد كثيراً، أما المفهوم الحقيقي لها والدور الفعلي للثقافة في المجتمع فهو منسي، وذهب طبعاً معها دور النوادي الثقافية التي أصبحت معالم نستدل من خلالها على الطريق، من دون ذكر الدور الكبير الذي يجب أن تشغله لتحاول مد جسور الثقافة إلى كل أنحاء البلاد، وتكون صلة الوصل بين الأدباء والأجيال الشابة.

في الواقع، تعمل النوادي الثقافية على إثراء عقل الإنسان بكل ما هو جديد وطليع في العالم، وليكون على معرفة تامة بجميع الجوانب الثقافية التي تعمل على تطور المجتمع وتحريره من العبودية والجهل والتخلف واستثمار العقول النيرة لدى الشباب والأطفال والكبار في كل ما هو مفيد، والتي بدورها تساعد وتساهم بدور كبير على غرس وإكساب الشخص لثقته بنفسه مما يؤهله لدخول أي عالم يريده بقلب قوي، كما أن الأنشطة الثقافية تساعد بشكل كبير على اكتساب المواهب والمعارف وتغذية الوجدان وصقل المواهب والتشجيع على إظهار الإبداع المدفون لدى بعض الأشخاص.

«شغف»
بدأ الفنان باسل طه مشروعه «شغف» أدب وفن منذ عام 2008 ولم يتوقف، ولكن بسبب اعتماده على حالة فردية وهو صاحب المشروع اضطر في الفترة الأخيرة من تخفيف عدد النشاطات لعدم إمكانية العمل وحده، وعن مشروعه الذي يمكن وصفه بالنادي الثقافي قال: أعجبت وزارة الثقافة وقطاعات مختلفة بمشروع «شغف» الذي عرضته عدة مرات، إلا أن هذا الإعجاب لم يصل إلى أي نتيجة أو فائدة أو رعاية ليصبح جزءاً من مشروع الوزارة، ومثل هذه المشاريع إذا بقيت من دون تعاون ودعم الجهات الثقافية والإعلامية العامة فستبقى خاضعة لحالتنا النفسية والمادية والمعنوية.
تحتاج النوادي الثقافية عموماً إلى جدية وأشخاص يملكون علاقات كبيرة وقوية مع المجتمع والأوساط الثقافية، مع التأكيد أن بعض النوادي عندما حصلت على دعم معين لم يكن هناك شيء واضح عن كيفية الإنفاق عليها، وهذا سؤال بحاجة للبحث فيه ليكون ضمن خطط استمرارية ذات توجه معرفي واضح يجدد مسيرة الفنون والثقافة.

كهولة الشباب
وأضاف عن الشباب: يشغل أغلب الشباب اليوم الحاجات اليومية كالسعي للحصول على البطاقة الذكية والغاز والعمل والبحث عن المستقبل والعديد من الإشكاليات الموجودة في هذا الزمن، ما يجعل اللجوء إلى اليوتيوب وسيلة أسرع وأسهل تغنيهم عن الحضور لأي فعالية ثقافية استهلكت وأصبحت مكررة، نستطيع اليوم العد على الأصابع عدد المخرجين المحترفين الذين عملوا وأخذوا فرصاً من مؤسسة السينما ومديرية المسارح وسواها، وفي حال بقيت الأبواب مغلقة سيبقى الشباب يعيشون كهولتهم بلا أمل يبحثون عنه في الحارات بعيداً عن المسارح والسينما والثقافة.

منبر دافئ
تتذكر الكاتبة سارة حبيب حضورها الأنشطة الثقافية في فترة الطفولة ولم يكن في ذلك الوقت سوى المراكز الثقافية لاحتواء ما يريد الأدباء والفنانون قوله، وعن غياب النوادي الثقافية قالت صاحبة كتاب «النجاة حدث ممل للغاية»: ظهرت فكرة تجربة إقامة الأمسيات الشعرية والقصصية في المقاهي بسبب قلة تردد الناس على المراكز الرسمية، إما بسبب تشابه ما يُقال، أو نظراً للتقييد الذي تفرضه، هكذا تمت دعوتنا كمستمعين ومشاهدين وكتّاب لحضور وإقامة الأمسيات في مقاهٍ لها شكل نوادٍ ثقافية، وأنا أفضل بالطبع هذا النوع من المنابر بسبب شعور الحميمية والبساطة الذي تضيفه تلك النوادي إلى تجربة قراءتي لنصوصي.
أقمت حفلات توقيع كتابي في مقاهٍ ثقافية في أكثر من مدينة، شاركت في أمسيات، وحضرت الكثير من النشاطات في مثل تلك المقاهي، فكانت في اللاذقية تجربة نادي «الأوركسترا» ومقهى «قصيدة نثر» ومقهى «صدى»، ومقهى «هيشون» ومقهى «ناي»– والأخيرتان مازالتا مواظبتين حتى الآن على إقامة النشاطات-.
ومن أجل تعميق فكرة النوادي الثقافية وانجذاب الشباب إليها، أسست مع صديق مبادرة قراءة «اقرأ معنا في اللاذقية» في مقهى ناي، التي تضم مختلف الشرائح العمرية وتناقش كتاباً من حين لآخر، ومؤخراً أيضاً تأسست في اللاذقية جمعية «أصدقاء المسرح» التي أنا عضو مجلس إدارة فيها لإيماني بحاجتنا إلى تفعيل المنابر الثقافية أكثر فأكثر لاسيما من حيث تأمين مقر لأمسيات وعروض مسرحية مصغرة سنعرضها مع الوقت، وفي النتيجة لا أعتقد أن الشباب بمواهبه المختلفة يحتاج لمنبر، وجود مثل تلك المقاهي وفّر مكاناً دافئاً ومرحِّباً وقليل التعقيدات بما يتلاءم مع فكر مختلف المبدعين.

الفراغ الثقافي
يعد غياب النوادي الثقافية أحد أسباب الفراغ الثقافي الذي ينهك أجيال المستقبل، هذا ما عبّرت عنه الكاتبة رنيم عودة بالقول: النوادي الثقافية مكان يستوعب جموع وجموح الشباب في العطلات الأسبوعية والشهرية والسنوية، وهي مكان يجتمع فيه المثقفون من الشباب ويتبادلون فيه الآراء ويعرضون مواهبهم الأدبية على كبار المثقفين المتواجدين في النوادي والذين بدورهم يكتشفون المواهب الشابة ويساعدونهم على تنميتها وعرضها بشكل مناسب، ولكن للأسف في ظل الأزمة السورية قلّ عدد النوادي الثقافية كثيراً، وأصبح البديل الطبيعي والمنطقي هو الشارع بثقافته وأخلاقياته وجرائمه ونزواته وحوادثه، ما جعل بيوتنا في معظمها منفتحة على الشارع بكل ما ينضح به، وبالتالي يجب إيجاد حل من خلال منظومة تتبلور في مشروع ثقافي اجتماعي تتشارك فيه أكثر من جهة.
وأضافت كاتبة مسلسل «عطر الشام»: يجب على وزارة الثقافة المسؤولة عن النوادي الثقافية أن تعيد نشاطها وتكثر من الندوات الثقافية في كل المدن السورية وتقدم التسهيلات لاجتماع الشباب والشابات وتكون الدعوة عامة لهم، وأثناء الندوات تكون المشاركة مع كل الحضور لطرح معاناتهم ومشاكلهم، وأيضاً السؤال عن مواهب الشباب التي يلزمها الدعم من وزارات الثقافة والتربية والتعليم العالي، وعليهم التخلي عن فكرة حصر دورهم في التعليم فقط دون التربية، وتوسيع مفهوم التعليم الأضيق الذي تعمل عليه الوزارات، وأن يكون للمعلم والأستاذ الجامعي الدور الممتد خارج قاعة الدرس.
وفي الختام قالت عودة: يجب الإشارة إلى أن الكثير من الشباب الموهوبين يلزمهم الدعم المادي لنشر أعمالهم من قصة ورواية وشعر.

حكمة
اكتشف الشاب أحمد بشارة الكردي موهبته الشعرية وهو في صف التاسع وكتب أولى قصائده، وعلى الرغم من دراسته للهندسة البعيدة كلياً عن مجال الشعر والأدب إلا أنه تعلم علم العروض حتى احترف الوزن والكتابة العمودية، وانضم لفريق «مئة كاتب وكاتب» في بداية مشواره الأدبي جامعاً طلاب الجامعة بمختلف الاختصاصات بما فيهم الأدب، وعن النوادي الثقافية قال أحمد الكردي: لا تساهم النوادي الثقافية في عملية الترفيه والترويج لأعمال الشباب، وذلك بسبب قلتها ويمكن القول إنها معدومة، وإن وجدت يجب أن تكون من المؤسسات المؤثرة في اتجاهات الشباب وتكوين مواقفهم الفكرية والاجتماعية، لربما من الحكمة اتخاذ قرار لقبول التغيير الذي يحصل في المجتمع ومواكبته والتعاون مع الشباب ومحاولة مد يد العون لهم.
وعن تجربته ضمن فريق «مئة كاتب وكاتب» كنادٍ ثقافي يجمع خليطاً مذهلاً من الصغار والكبار قال أحمد الكردي: انطلاقتي الأولى كانت من أمسية أدبية في المركز الثقافي العربي في كفرسوسة للفريق، ومنذ ذلك الوقت ونحن نقيم الأمسيات والفعاليات الثقافية المختلفة، وأذكر في البداية محاولة بعض الأساتذة والنقاد تحطيم معنوياتنا كوننا شبان مبتدئين، في مقابل كان هناك من حاول تشجعينا وحثنا على المثابرة، وفي الحقيقة لولا وجود الطرفين اللذين هما مثل السالب والموجب لما كنا الآن نكمل مسيرتنا، فمن جهة نحارب في ساحة المعركة الأدبية ضد المتعجرفين والمتنمرين لنشعل ما يحاولون إخماده، ومن جهة أخرى نحمل تلك المسؤولية التي يعطينا إياها الأساتذة الداعمون، وفي هذه الظروف القاسية كل ما أتمناه أن يسلط الضوء على تلك المواهب وحثهم على المواصلة بالدعم، بعض المراكز الثقافية سمحت بتسليط الضوء على المواهب الشابة وعلى رأسها اتحاد الكتاب العرب حيث أظهر اهتماماً وافراً لأصحاب المواهب وأعطاهم الدعم والتحفيز، على عكس بعض الجهات التي يقف الشباب على أبوابها وكأنهم يشحذون الاستعطاف من حيتان الثقافة الذين يلقبون أنفسهم (شعراء كبار)، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ولدوا شعراء كباراً أم إننا نحن في الأصل لا نكبر؟ هل هم الحكام أم نحن اللاجئون في موطننا؟

في الختام
لن تكون الثقافة قادرة على أداء دورها في الحياة ما لم تستجمع المهارات والمعارف التقنية والعقلية والفكرية المتنوعة وخاصة فيما يخص الشباب، وهذا الحراك الحيوي للإنتاجات الإبداعية لا بد أن يكون بشكل مباشر وحثيث من خلال النوادي الثقافية، إلا أن المجتمع السوري أصبح غريباً عن هذه الظاهرة الثقافية، لتصبح مواقع التواصل الاجتماعي المنبر السريع والوحيد لكل شيء، في الحقيقة، النوادي الثقافية في العالم أحد أفضل الأمكنة القادرة على منح عشاق الفن والأدب متعة الاستماع والإلقاء والمشاهدة المرفقة دائماً بتثقيف فكري وجمالي وفني وتقني متكامل، لذلك على الجهات المسؤولة نشر المعرفة والثقافة بشتى الطرق لكي لا يكتسب الشباب ثقافتهم من الوسائل الرقمية أو من الشارع.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock