ثقافة وفن

الحياة.. الحلم

| د. اسكندر لوقــا

يحتضن فكر الإنسان عموماً إطاراً زمنياً يتجاوز الحاضر مثلما يتجاوز الحركة في سياق الزمن الراهن في آن، فضلاً عن احتضانه الحلم الذي يراود الإنسان في حالة النوم كما في حالة اليقظة.
أحياناً تكون الأحلام كبيرة ومعقدة تؤرق صاحبها بحثاً عن حل لها، وكما نقدّر كلما كانت الأحلام كبيرة وصعبة التحقيق، تزداد تعقيداً ويكبر معها الألم. ومن الطبيعي، في ضوء هذه العلاقة، بين الحلم والرغبة في تحقيق ما يتمناه المرء، من الطبيعي أن تكون لهذه العلاقة تداعياتها، فبمقدار ما يتوارى تحقيق الحلم يزداد الشعور بالألم نتيجة غياب الحل. إلا أن ذلك لا بد أن يشكل، بدوره، حافزاً على المواجهة، وبمقدار ما يكون صاحب الفكرة مؤمناً بقدرته على الصمود والمواجهة، يرتفع إلى مستوى القضية التي يؤمن بها، ويستمد القوة للمضي في سبيل تحقيق ما حلم بتحقيقه. وفي هذا السياق يبدو الصراع بين الأمنية والغاية كصراع المراكب مع ارتفاع الأمواج وهي تتقدم نحو الشاطئ.
ومن الأمور المتفق عليها، كما أقدّر، أن الأمنيات لا تتحقق دفعة واحدة، وقد لا يتحقق منها أي جزء لاعتبارات عدة منها الظروف المرافقة لزمن الأمنيات ومنها ما يخصّ أصحابها، ومَثلُ ذلك الواقف عند سفح الجبل يتطلع إلى ذروته محاولاً الوصول إليها فيصاب بالفشل. وبطبيعة الحال يشتد الألم كلما كان حلم الوصول إلى الذروة أمنية عصية على التحقيق. الفكرة الذروة في حياة المرء يعانيها صاحبها كلما ابتعدت عن ساحة الواقع سواء خطرت في البال في سياق حلم عابر في ساعة نوم عميق أو في ساعة قيلولة.
بعض الناس يمضون في السير وراء أحلامهم إن صح التعبير، وتبقى محاولاتهم كالطيف العابر يلامس سطح الماء ويختفي مع غياب موجاته من دون أن يترك أدنى أثر. هؤلاء يستوي لديهم سفح الجبل وذروته. هؤلاء ترى ما عزاؤهم؟ ما عزاء الإنسان الذي لا ينظر إلى أبعد من أنفه؟ إلى أبعد من مرمى الطرف؟ ويبقى في دائرة الأحلام التي لا تتحقق؟
قد لا يتحقق الحلم ولا تكون الفكرة قادرة على فرض نفسها واقعاً ملموساً باليد، ومع هذا جميل أن يحلم الإنسان وأن يفكر، والأجمل من كليهما أن يكون الحلم كبيراً والفكرة أكبر، وهل الحياة بمعناها العريض سوى حلم كبير وفكرة أكبر؟
معاناة الإنسان اليوم كما كانت في الماضي وستبقى كذلك في كل زمن، معاناته أن يتعب ويشقى كي يجد حلولاً لأفكاره التي تراوده وتؤرقه وألا ييئس من حكم الزمن على ما يشتهي ويرغب.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock