الأولى

سَنَة الرئاسة الأميركية: مواجهة مفصلية

| بيروت – محمد عبيد

يبدو أن مدة السَنة التي تفصلنا عن موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية ستكون متخمة بالمواجهات الدولية والإقليمية بين الكثير من المحاور الموزعة على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية. وعلى الرغم من تقديم المُعطى المحلي لدى المواطن الأميركي لجهة ما يتعلق بحقوقه وخدمات حكومته له على السياسات الخارجية لهذه الحكومة في مقاربته لخياراته الانتخابية، إلا أن مؤسسات النظام الأميركي الأمنية والعسكرية المعنية بحفظ مصالح هذا النظام ومساحات نفوذه في العالم تسعى إلى الاستفادة من انشغال المرشحين والناخبين في التحضير للانتخابات الرئاسية لتسويق أجندتها السياسية وتكريس أمر واقع تفرضه مسبقاً على أي رئيس منتخب.
لاشك أن مؤسسات صناعة القرار في النظام السياسي الأميركي تتنافر وتتقارب في مقارباتها للمصلحة الأميركية العليا، إلا أن السياق الثابت لتلك المصلحة ترسمه المنظومة الاستخباراتية ومعها القيادة العسكرية، وما التغيير الذي يمكن أن يُحدِثُه رئيس منتخب وإدارته على هذا السياق سوى حالة ظرفية مرهونة بمدى عمق أو سطحية علاقته مع تلك المنظومة والقيادة.
بناءً على ذلك، يمكن فهم الاندفاعة الأميركية المتجددة ضد قوى ودول محور المقاومة، بعدما اعتقد كثيرون أن الانشغالات الأميركية الداخلية بالتحضير للانتخابات الرئاسية وما يرافقها من صراعات قانونية حادة في الكونغرس حول إمكانية عزل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من عدمها، بأن هذه الانشغالات ستمنح محور المقاومة وحلفاءه مساحة من الهدوء الحذر بانتظار نتائج إجراءات العزل وكذلك نتائج تلك الانتخابات.
من المؤكد أن أعين قادة محور المقاومة لم تغف يوماً تحسباً للمفاجآت الأميركية، وخصوصاً في ظل سياسات واشنطن الموزعة بين تحركات عسكرية على طرفي الحدود السورية العراقية وبين عقوبات اقتصادية ومالية غير مسبوقة على إيران وسورية، وأيضاً بين استحواذ على المنظومة النقدية للدولة اللبنانية، والأخطر بين أعمال استخباراتية «ذكية» في الساحتين العراقية واللبنانية طالت النسيج الاجتماعي من بوابة الاقتصاد وخاصة الفقر والحرمان الكامنين لعقود طويلة في طيات هذا النسيج.
إذاً، المواجهة متشعبة مع عدو خطر قرر أن يُشعِل الجبهات كافة دفعة واحدة. وللمواجهة رؤيتها وآلياتها التي من المفترض أن تحاكي حجم تلك المواجهات، وإن لم يمتلك بعض أطراف هذا المحور القدرة على الإمساك بجميع مفاصل ساحته نظراً لتنوعها السياسي وارتباط جزء من هذه الساحة بالمشروع الأميركي، والعراق ولبنان مثال ذلك الأبرز.
تمكنت إيران من استيعاب تبعات تلك المواجهة بعدما استطاعت أجهزتها الأمنية القبض على المنظومة التي كانت قد جندتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي أي أيه» لإشعال البلاد من خلال تحريك الشارع تحت عناوين اقتصادية واجتماعية مفتعلة، مع الإشارة إلى أن التوقيت الساذج في الإعلان عن إجراءات مُعَدة ومدروسة لتعديل نظام الاستفادة من دعم المحروقات كان في غير محله، لأنه سبق الشروع في تعزيز التقديمات المالية والاجتماعية لشريحة الطبقات المتوسطة والفقيرة كافة.
وكذلك تحاول سورية من خلال مجموعة من الإجراءات التي بدأها الرئيس بشار الأسد حول زيادة الرواتب إضافة إلى العمل على ضبط حركة الأسواق المالية، ومحاولات فتح الأبواب لتبادل اقتصادي واسع مع أسواق عديدة ومنها السوق العراقي.
وإيران وسورية اللتان تتعرضان منذ عقود طويلة لحصار اقتصادي ومالي من واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين، اختبرتا التعايش مع هذا الحصار والتغلب عليه من خلال تصليب الداخل والارتكاز على منظومات إنتاج وطني تجنباً للسقوط في محظور الاقتصاد الريعي.
لكن ليس ذلك هو حال الساحتين العراقية واللبنانية اللتين وجد الأميركي فيهما شبابيك مشرعة للنفاذ إلى الحراكات المطلبية المُحقة بهدف النيل من بعض قوى هذا المحور. وعلى الرغم من الاختلاف العميق في تكوين هاتين الساحتين من الناحية السياسية والدولية، إلا أن ما يجمعهما هو إمساك منظومة الفساد بمعظم مفاصل الدولة في كل منهما. والأسوأ هو ارتباط كلتا المنظومتين بالقرار الأميركي وخياراته.
لذلك يبدو التحدي في العراق ولبنان أكبر وأصعب، وذلك بسبب الحاجة إلى التوفيق بين مقتضيات ثلاثة: الأولى، الحفاظ على مكتسبات مشروع المقاومة في كلا البلدين. والثانية، مواجهة المخاطر الناتجة عن الزلزال الاقتصادي والنقدي والاجتماعي والمعيشي الذي طال شعبي البلدين. والثالث، عدم تمكين الأميركي وأتباعه من إسقاط أي من مرتكزات محور المقاومة وخصوصاً في البلدين المذكورين لكون العراق يُشَكِل صلة الوصل الجغرافي السياسي بين مكونات هذا المحور ولكون لبنان يُعتَبَر رأس الحربة المتقدم والمؤلم في مواجهة ربيب الأميركي: الكيان الإسرائيلي.
هي سنَة مواجهة مفصلية ومجرد أن ينجو محور المقاومة من تبعات هذه المواجهة، هذا يعني أنه حقق انتصاراً مبدئياً يمكن تكريسه من خلال مقاربته لنمط العلاقة مع الإدارة العتيدة برئيس جديد مُنتخب أو برئيس مُستعاد.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock