ثقافة وفن

الحب طريقة وحيدة للخلاص من الحرب التي اختطفتنا … تجربة سينمائية سورية تبتعد عن سينما المؤلف المخرج

| نهلة كامل

يضيف فيلم.. «يحدث في غيابك».. إلى سينما سنوات الحرب تجربة جديدة، في جوانب عدة، أولها في التصدي لتحليل واقع اجتماعي سياسي، ظهر تحت ظروف سورية خاصة، إضافة إلى لغته السينمائية التي أجادت التعبيرية في المكان والزمان، واستخدام حبكة واقعية أضاءت على مفاهيم وطنية للحاضر والمستقبل.

اتحاد المخرج بالمؤلف

«يحدث في غيابك»، هو أول تجارب سيف الدين سبيعي السينمائية، وخامس الأفلام الروائية للمؤلف سامر محمد إسماعيل، وإنتاج المؤسسة العامة للسينما، والفيلم مأخوذ عن قصة واقعية حدثت في مدينة حمص عام 2016، لكن الفيلم ليس توثيقياً بالمعنى النوعي لفن السينما، بل هو يعمل من خلال تجريبية خاصة، على تصوير واقعه الاجتماعي والسياسي، مستنداً إلى الحدث الوثائقي، في ظروف استثنائية كالتي عاشها الإنسان السوري في محنته العنيفة.
ويتحرك الفيلم تحت عنوان ذي دلالات نفسية وإنسانية وسياسية عميقة، فمن الغائب عن مشهد الأحداث هنا في عبارة «يحدث في غيابك»؟ ولعل المؤلف يحب التحرك تحت دلالات كثيرة مفتوحة، وحين يصبح بطل الفيلم عند ذروة مأساته، يخرج تحت السماء مستنجداً بالخالق صارخاً، وينك، ولعله يقول لكل من هو غائب عن مشهد الواقع الدرامي في سورية وخارجها، هذه هي المأساة التي لا تشاهدها.

فيلم «يحدث في غيابك» ليس من أفلام سينما المؤلف المخرج، كما هي العادة في غالبية الأفلام السورية من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، لكنه يحقق نجاحاً لافتاً، يحسب له، في اتحاد رؤية المؤلف برؤية المخرج في الهدف العام والأهم وفي التفاصيل السينمائية الصغيرة الحاملة لأبعاد اجتماعية ونفسية وشخصية بالغة الترميز والترجمة للغة السينمائية، وهذا ما يخشى منه أحياناً في نوعية سينمائية مماثلة، لكن هذا الاتحاد، بين المؤلف والمخرج، في «يحدث في غيابك» يجعل الفضاء الإبداعي أوسع وأعمق وأشمل بصرياً وفكرياً، ذلك أن بصمات المهنية الواضحة لدى المؤلف سامر إسماعيل تدمغ الفيلم، لكنها لا تقحم عالم سبيعي بشكل سيطرة أحادية بل تنجدل معها في مشهدية وواقعية غنية التأثير والتشويق والإمتاع في آن، ولعل علاقة المبدع سيف الدين سبيعي الطويلة مع الجمهور في أعماله الدرامية كانت واضحة في لغته السينمائية، إنما اللافت هنا أن كلاً من المخرج والمؤلف قد استفادا من رؤية الآخر دون انفصال بل باتحاد في لغة سينمائية واحدة.

توثيق الواقع

يجمع فيلم «يحدث في غيابك» الواقعي والوثائقي في تجريبية واحدة، الوثائقي في قصة وأحداث الفيلم، والواقعي في فضائه الفكري الواسع، رغم أن أحداث الفيلم تجري في مكان واحد، وزمن قصير نسبياً، حوالي شهرين فقط، ونستطيع القول إن تجريبيته كانت في استخراج الوثيقة من الواقع السوري المعيش ومعاناته في سنوات الحرب.
والفيلم تحليل اجتماعي بمعنى تعميق الواقع، وهو يقدم سينما حقيقية تستطيع تأويل الواقع، بلا سيطرة إيديولوجية متميزة، وأعتقد أنه يأخذ مكانة خاصة إذا أردنا دراسته التجريبية السينمائية لأفلام سنوات الحرب التي استفادت من أساليب سينمائية متعددة لتخلق بالنهاية شخصيتها الخاصة، ذلك أن تجربة الأفلام السورية في مرحلة الحرب لا يمكن أن تكون تقليدية أو كلاسيكية مستهلكة، بل اندفعت بشجاعة في مساحات الواقع لتؤلف تعبيرية خاصة لمعاناة إنسانية استثنائية.
تقوم أحداث «يحدث في غيابك» على اختطاف رجل صحافي امرأة طبيبة وذلك كرد فعل على اختطاف زوجته وابنه الرضيع، وكفعل وحيد لا يستطيع ممارسة غيره لتحرير زوجته وابنه من أقرباء المختطفة، ومن المزايا الدرامية التي تحسب للفيلم أنه لا يقدم تسميات للجهتين التي ينتمي إليهما الخاطف والمختطفة، بل يعمل على تجسيد حالة الخطف وفعل العنف الذي يعيشه الطرفان، لنستنتج بالنهاية أن كلاً من الخاطف والمختطفة يصبحان مخطوفين بل سجينين لظروف الحرب وبيئة العنف والإرهاب والقصف.

ويوضح الفيلم، بتقدم أحداثه، أن الصحفي والطبيبة باتا يعيشان الحالة نفسها، رغم أنهما يتمتعان بذات الشفافية الإنسانية والأحلام الذاتية والعامة المشروعة، لكن الأحداث هي التي تضع كلاً منهما بمواجهة الآخر، ويضطران للتعاون معاً كي يضمنا لنفسيهما البقاء، ويعرفان بالنهاية أن لا حل لهما إلا معاً، وذلك بعد أحداث عنيفة متلاحقة حولهما، تستشهد خلالها الزوجة المختطفة ويبقى الخاطف بانتظار عودة ابنه وأن الحب وحده سيجمعهما معاً.

كابوسية الحرب

يقدم «يحدث في غيابك» حالة فيلم كابوسي، بالمعنى النوعي للسينما، لكنها ليست الكابوسية الغربية المعروفة، بل هي الكابوسية السينمائية السورية، أي التجريبية، بمعنى المعاناة تحت نيران الحرب ومخاوفها وهواجسها ووساوسها، وهنا يجيد المخرج والمؤلف معاً في تجسيد المزايا التعبيرية للمكان والزمان، وتعميق العامل النفسي للشخصيتين، فالمكان الذي هو، طوال الفيلم، داخل منزل الصحفي، ماعدا لقطات خارجية معدودة في محيطه، استطاع أن يلقي الضوء على شخصية الخاطف الرومانسية والشاعرية وأعماقه العاطفية في زوايا بيت أسري كان دافئاً، والذي لا يعبر عن شخصية خاطف أو إرهابي عنيف يحمل مسدساً ويهدد بالقتل، وقد استطاع المبدع سيف الدين سبيعي أن يخلق من أركان البيت وجدرانه، ومن الذكريات والصور وإيقاع الأصوات المنبعثة من أنحائه فضاءً واسعاً يتنقل الحدث داخله كابوسياً فقط أثناء حالة الاختطاف وبسبب البيئة التي يعيش داخلها، حيث استطاعت اللقطات الداخلية المتحركة على إيقاع العمل اللاهث وتقطيع المونتاج، ولقطات «الكلوز أب» على وجهي الممثلين أن تصور هذا الواقع الكابوسي الداخلي والخارجي.
إن الصحفي والطبيبة المختطفين معاً، كما ستؤكد وتصور أحداث الفيلم، لا يجدان بداً من من التعاون معاً من أجل الحياة المشتركة، فالصحفي يعمل خارج المنزل، والطبيبة المختطفة تبدأ، بعد شهر، العمل في شؤون البيت، يأكلان معاً، ويتحدثان معاً، ويداوي أحدهما الآخر، كلما قصفتهما البيئة بشظاياها وأحداثها ومخاوفها، وهو يقف إلى جانبها ليهدئ من روعها كمختطفة، وهي تواسيه عندما يفقد زوجته وتفتح له باب أمل برجوع ابنه، هو يخرج ويقفل عليها كي لا تستطيع الهرب، لكنه عندما يشعر باليأس بعد استشهاد زوجته، ويفتح لها باب البيت لتذهب إلى أهلها فإنها ستخرج إلى بيئة، لا فرار منها، يحاصرها الإرهابيون من كل جانب، وتختار الرجوع إليه لأنه الأمل الوحيد الإنساني المتبقي لها، وحين تنتهي الأحداث بدخول عصابة تعفيش لتسرق كل ما في المنزل، ولا يبقى سوى كتب الصحفي، تبتكر المختطفة منها سريراً يعيشان فوقه حالة حب لا خلاص للمجتمع السوري إلا بها وهي الخاتمة التي يكتبها لفيلم للأحداث.

طريق الخلاص

لا تؤدي أحداث الفيلم انفراجاً، أو نهاية لأحداث العنف والمعاناة القاسية التي تعيشها البيئة والإنسان السوري، فنحن في «يحدث في غيابك» نعيش أحداث ذروة الحرب في سورية ومدينة حمص بالذات عام 2016، بل تحاول أن ترسم انفراجاً أو طريقاً للخلاص داخل النفس البشرية التي تعيشها تلك الأحداث.
إن الفسحة في المكان الآمن، لم توجد بعد في الفيلم، والبيئة لا تزال مختطفة من الإرهاب، ولا نزال في ختام «يحدث في غيابك» في منزل الصحفي الذي أصبح خاوياً، إلا من الحب حيث يعيش سجينان لو خارجا فلن يجدا سوى الدمار والنار أو العتمة، لكن الحب وحده يعيد إلى الذات دفئها وأملها ويجعلها تمارس الصبر إلى الغد برؤية عاشقين.
لقد استطاع «يحدث في غيابك» المصنوع بأسى عميق، ونور شحيح لا يكاد يضيء داخل منزل المختطفين، أن يجسد بعمق ذات الإنسان السوري الذي نعرفه، عندما كنا نفخر بطيبته وأصالته، ويرسم أمام بصرنا صورته الحقيقية التي ترفض الشر والجريمة والإرهاب، حيث سينتصر داخلها الحب على الكره، والضحية على الجلاد، لقد رفض كل من الخاطف والمختطف ممارسة القتل في ذروة الانفعالات النفسية التي مرا بها، وأمام أعنف المواقف التي استدعت الانتقام والثأر أو الخلاص الفردي، وقد نجح الفيلم بتقديم هذه المواقف كاختبار نهائي للذات السورية الحقيقية، حيث يكون بيدها شرط الاختيار لا بيد الإرهابي أو تحت ضغوطه.

ومن أجل التأكيد على النجاحات في لغة الفيلم السينمائية، وأهدافه وإيحاءاته الإنسانية العالية، ودلالاته السينمائية المتألقة، فإننا يجب أن نتوقف طويلاً في ختام خاص، أمام أداء بطلي الفيلم، الممثل والفنان المدهش يزن خليل، والوجه السينمائي المعبر بتألق خاص للممثلة اللبنانية ربى زعرور.

لقد قامت أحداث الفيلم الطويلة نوعاً ما، على جهود تمثيلية بارعة كان أداؤها حاملاً متقناً للغة الفيلم السينمائية وجهود سيف الدين سبيعي وسامر إسماعيل برسالة الفيلم الإنسانية الخاصة بالشخصية الفردية والعامة للمواطن السوري وربما العربي في ظروف مماثلة.

وستبقى لغة «يحدث في غيابك» السينمائية وقيمته التجريبية في تأليف الواقعي من الوثيقة، قيمة مضافة إلى ما تحاول السنيما السورية تقديمه في ظروف استثنائية ومعاناة إنسانية ترتفع إلى العالمية.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock