من دفتر الوطن

نهبونا وقدَّسونا!

| حسن م. يوسف

قبل ربع قرن بالتمام والكمال انخرطت في مشروع مسلسل «أخوة التراب». وقد سمعت منذ ذلك الوقت، مئات القصائد والأغاني والحكايات، وقرأت آلاف الصفحات، عن تاريخ الاحتلال التركي لبلادنا الذي دام منذ هزيمة قانصوه الغوري في معركة مرج دابق يوم 24 آب 1516 وحتى مغادرة الوالي العثماني رأفت بك وجنده لدمشق في 26 أيلول عام 1918. ولو كان الأمر لي لاعتمدت 26 أيلول من كل عام عيداً آخر لجلاء المستعمر عن أرض سورية، فإذا كان الفرنسيون قد استعمرونا ربع قرن وعاماً، فقد استعمرنا الأتراك أربعة قرون وعامين.
والحق أنني بعد ربع قرن من التفكير شبه اليومي بقصتنا مع جيراننا الأتراك، أستطيع أن ألخص حكايتنا الطويلة معهم بكلمتين: نهبونا وقدَّسونا، فقد قام الأتراك على مدى أربعة قرون وعامين بنهب كل ماله قيمة في بلادنا، بدءاً بالثروات الطبيعية وانتهاء بالمهارات البشرية، غير أن هذا لم يمنعهم من تقديس بلادنا المنهوبة باعتبارها (شام شريف)!
نعم، النهب هو العملية الأساسية المستمرة في علاقتنا بالأتراك، منذ خمسة قرون، فعندما اضطر الأتراك للخروج من سورية قضموا منها لواء إسكندرون بالتواطؤ مع الاستعمار الفرنسي البغيض، وعندما تظاهرت تركيا بالصداقة نحونا كانت تواصل عملية النهب في مجال القوة الناعمة، فاستولت الدراما التركية على صوت الدراما السورية، وتمكنت من خلال ذلك الصوت المحبب أن تدخل بيوت العرب من المحيط إلى الخليج. وخلال الحرب التي شنتها الفاشية العالمية على الدولة السورية عبر البوابة التركية قام الأتراك بمساعدة عملائهم بنهب معامل حلب ونفط الشمال السوري.
أعترف لكم أنه لم يسبق لي أن تابعت أي مسلسل تركي منذ بدايته، بل إنني نادراً ما أكملت حلقة من تلك المسلسلات التجارية، غير أني كنت أعلم أنه ثمة مسلسلات تركية من نوع آخر لا تعرض على شاشاتنا مثل مسلسل (أرطغرل) الذي اقتنيته من دون أن أشاهده، لأنه يقع في مئة وخمسين حلقة طول الحلقة الواحدة يتراوح بين ساعتين وساعتين ونصف.
قبل نحو أربعة أشهر تعرضت لإصابة اضطرتني لأن أرفع رجلي اليسرى بمساواة قلبي لمدة طويلة، وهكذا أمضيت 375 ساعة في مشاهدة هذا المسلسل الذي يحاول تسويق سياسات حزب العدالة والتنمية بغية ترسيخ قدسية الزعيم المطلق وإحياء الموروث العثماني الإسلامي بما يتناغم مع علمانية كمال أتاتورك.
يقدم المسلسل الدولةَ التركية بشكل إيجابي جذاب لا لمواطنيها وحسب، بل للمشاهدين في مختلف أنحاء العالم، وتجري أحداثه في القرن الثالث عشر، ويتمحور حول حياة أرطغرل. سر النجاح التجاري لمسلسل (أرطغرل) يكمن في توليفته الفنية، فهو يجمع الطبيعة الساحرة إلى الممثلين المقتدرين والمعارك المنفذة بتقنية عالية.
تفيد الإحصائيات أن تركيا لديها 281 قناة تلفزيونية ست عشرة قناة منها ملك للدولة، وأن المواطن التركي يمضي ما يقارب خمس ساعات ونصف الساعة يومياً في مشاهدة التلفزيون، وتقوم الحكومة التركية بمنح مساعدات مالية كبيرة للمنتجين الذين يدعمون صورة تركيا «كقوّة اقتصادية ووجهة سياحية لدى المتلقي الأجنبي». ولقد جنت الدولة التركية ما يقارب 350 مليون دولار في سنة 2015 من الدراما.
عرض مسلسل (قيامة أرطغرل) في أكثر من 80 دولة، وكلف نحو 75 مليون دولار.
أكثر ما لفت انتباهي في هذا المسلسل هو أن جل المفاهيم المجردة في اللغة التركية مقتبسة من العربية: مفهوم، حرية، سلام، عدالة… إلخ ومن الطريف أن أتاتورك عندما ألغى الحروف العربية واعتمد اللاتينية أمر بتشكيل جمعية لتحرير اللغة التركية من آثار اللغة العربية، فقام الخبراء بتشكيل جمعية سموها ثلاث كلمات عربية: «جمعيات إصلاح لغات»!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock