قضايا وآراء

الغزوات العثمانية الأردوغانية الجديدة مصيرها الاندحار والفشل

| بقلم د. قحطان السيوفي

كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، المُتقمص شخصية السلطان العثماني الجديد، بعد عودته من تونس علناً عن أطماعه العثمانية العدوانية قائلاً إن «ليبيا أمانة عثمانية»، وبعد عدة أيام صادق مجلس النواب التركي على مشروع إرسال قوات إلى ليبيا.
أردوغان المغامر الداعم للإرهاب مصاب بجنون العظمة يتبع سياسة الانقلاب والتغيير والتلوّن وعدم الثبات، يهرب من إخفاقه الداخلي إلى الخارج، آخرها إلى إفريقيا، حيث انطلق إليها لأهداف اقتصادية وسياسية، منها إحياء الإرث العثماني المتمثل بالجهل والتخلف؛ واستعادة أمجاد الرجل المريض.
نظام أردوغان اعتمد مشروعاً توسعياً تدميرياً، بعد أن أخفق في إدارة شأنه الداخلي، ينطلق إلى خارج الحدود، من خلال دعم التنظيمات الإرهابية، هدفه إسقاط الأنظمة وتدمير الدول ومؤسساتها، مشروعه يتجاوز العلاقات السياسية إلى الالتزام الإيديولوجي لدعم الإرهاب والتطرف الإخواني وتنظيماته، من «القاعدة» إلى «جبهة النصرة»، هو يحلم بإعادة المنطقة الإسلامية الناطقة بالعربية حديقة خلفية لتركيا، كما كان الوضع أيام العثمانيين.
اتفاق أردوغان مع حكومة فائز السراج في ليبيا وزيارته تونس، حدثان أظهرا أن أردوغان لديه خطط عدوانية؛ صراع الغاز والنفوذ في شرقي المتوسط والعالم العربي، ويسعى للبحث عن منصة أو قاعدة عسكرية لإيجاد ممر للسلاح والمرتزقة الذين ينوي إرسالهم إلى ليبيا، أردوغان يكرّر في ليبيا ما فعله في سورية بالتعامل مع قوى خارجة عن الشرعية.
ينطلق في تحركاته الخارجية من مصالح اقتصادية وأمنية، ومن منطلقات إيديولوجية ووجود داعمين لسياسة أردوغان مثل حركة «النهضة» التونسية الإخوانية في السلطة.
زيارة أردوغان لتونس تبدو محاولة خبيثة لجعل تونس «حصان طروادة» لاحتلال ليبيا.
فشل أردوغان الداخلي دفعه للقفز إلى البحر، يهيئ لصراع مباشر مع اليونان وقبرص، ويحاول السيطرة على الساحل الشمالي لإفريقيا المواجه لأوروبا، من أهدافه الإستراتيجية تطويف أوروبا وابتزازها.
أردوغان، يجاهر بجريمة الإرهاب، من خلال «شحن» مقاتلين ينتمون لجماعات إرهابية في سورية إلى ليبيا لدعم الفصائل الإخوانية الموالية له في طرابلس.
عبد اللـه المحيسني، المتحدث باسم «جبهة النصرة» السورية، فرع «القاعدة» في سورية، ظهر في تسجيل وهو يحثّ المقاتلين «الإرهابيين» في سورية على الذهاب إلى ليبيا لقتال «الكفار» والمرتدين.
قمة النفاق ما قاله وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، إن هناك من يريد تحويل ليبيا إلى سورية أخرى وإنهم سيتدخلون في ليبيا عسكرياً، حتى لا تصبح مثل سورية.
أطماع العثمانية الجديدة تجاه الشعوب العربية؛ كشفها متحدث الرئاسة التركية قائلاً: «سنفعل في ليبيا مثل الذي فعلناه في سورية»، كما أكدها أردوغان، في معرض تفاخره بإرسال جنود إلى ليبيا: «يوجد مليون ليبي من أصول تركية يستحقون دعمنا والتدخل لنجدتهم» واضعاً سبباً جديداً للتورط في مغامرة عسكرية بعيدة عن الحدود، وتقع على بعد 200 ميل بحري، ذلك يوضح هدف العثمانية الأردوغانية الجديدة، وهو احتلال جزء من الأراضي الليبية كما هو الحال في سورية، وفرض الهوية التركية عليها، بذريعة حماية مجموعة من السكان لهم أصول تركية، من فترة احتلال عثماني دامت 300 عام، أذلّ أهلها وأشاع الجهل بينهم ونهب مواردهم.
هذا يمثل خطوة كبرى، ليست فقط نحو إحياء هيمنة عثمانية كانت موجودة في نطاق جغرافي استعماري، لأربعة قرون ونيف؛ بل نحو تقويض النظام الدولي المعاصر، ولا تقل في آثارها السلبية عن محاولة تنظيم «داعش» الإرهابي إقامة دولة للخلافة عبر أردوغان، مرات، عن رغبته باستنساخ الإمبراطورية العثمانية آخرها ما قاله أمام أعضاء حزبه «العدالة والتنمية» من أن حكومته تخطط لما بعد عام 2022، والذي يعد نهاية معاهدة 1923 التي أنشأت تركيا في صورتها وحدودها الحالية، والتحرر من قيودها التي فرضت عليها، لاسيما التنقيب عن النفط، والتحكم في مضيق البوسفور، والمطالبة بتعديل حدودها لتتوافق مع خريطة الدولة العثمانية قبل سقوطها، باعتبار أن مدة المعاهدة كانت 99 عاماً فقط، وبعد تجاوز تلك المدة تنتهي كل القيود.
في هذا السياق يأتي تصريح الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالين، عندما قال: «إن الذي يعرف جيداً تاريخ الجمهورية التركية يدرك أن الأمن القومي لتركيا يبدأ مما خلف «الحدود» لذلك اعتبر الاتفاق التركي الليبي لترسيم الحدود البحرية كسراً للحزام الذي تريد اليونان وقبرص اليونانية فرضه على تركيا، لإبقاء الأخيرة «حبيسة» حدودها الراهنة.
إن التدخل التركي المباشر من البوابة الليبية يتمّ هذه المرّة تحت لافتة «العثمانية الجديدة».
أردوغان مسكون بفكرة التمرد على اتفاقيتي سيفر 1920 ولوزان 1923 حيث أدتا إلى «حبس» تركيا داخل حدودها، وقد ربط أردوغان التدخل التركي في ليبيا بهاتين الاتفاقيتين، عندما أعلن أن «مذكرتي التفاهم مع حكومة السراج تغيران الوضع السيئ لاتفاقية سيفر»، بهذا المنطلق تأتي محاولة أردوغان لاستعادة أمجاد بائدة.
منطق أردوغان في حماية من لهم أصول تركية، يذكر بالدعوات الشوفينية والتفوق العرقي التي تبناها قادة مثل هتلر وموسوليني، وتسببت في حروب ودمار ومعاناة للبشرية في الحربين العالميتين.
يحل عام 2020 على تركيا حاملاً ملامح مرحلة سياسية جديدة عنوانها «التغيير» و«تعديل المسار»، وأبطال هذه المرحلة هم مجموعة من رفاق أردوغان في حزب «العدالة والتنمية»، لكنهم اضطروا للافتراق عنه بعد أن بدا لهم أن التغيير وتعديل المسار أصبحا حتمية وعمدوا إلى تأليف أحزاب جديدة وهم يرون أن تركيا باتت رهينة لحكم الفرد الواحد والحزب الواحد لما يقرب من عقدين من الزمان.
يرى مراقبون أن كل هذه التطورات، سواء الداخلية أم الخارجية، ترتبط في الأساس بسياسات أردوغان وخطابه العثماني التصعيدي، الذي يكلّــف تركيا خسائر كبيرة بشن الحرب على دول الجوار وبعزلتها في محيطيها الإقليمي والدولي.
الحرب الإرهابية على سورية كانت بوابتها الرئيسة من تركيا لدخول كل إرهابيي العالم، وسبع سنوات من دعم الرئيس التركي أردوغان للحرب الإرهابية على سورية، ولا يزال، ومن أزمة إلى أخرى، تعمل تركيا أردوغان على إبقاء التوتر مشتعلاً على جبهات مختلفة.
تركيا أردوغان التي تدعم مرتزقة التنظيمات الإرهابية السورية، أقامت قاعدة عدوان في قطر وأخرى في الصومال، وتُرسل الإرهابيين المرتزقة إلى طرابلس الغرب لتقيم هلالاً إخوانياً من «العثمانية الجديدة».
ومع بدء تراجع الاقتصاد التركي، وتفتت حزب «العدالة والتنمية»، والفشل التركي في شرق الفرات، تغير منحى أطماع أردوغان العثمانية باتجاه شرق المتوسط وليبيا.
برزت السياسة الهجومية لتثبيت وضعٍ متقدمٍ لتركيا في المياه الإقليمية لليبيا آخذاً في الاعتبار ما تقوم به أنقرة من أعمال تنقيب غير قانونية في شرق المتوسط.
أنقرة تقوم بتجنيد مرتزقة سوريين لزجهم في الحرب على الشعب الليبي، تؤكد تركيا العثمانية الجديدة، مضيها في نهجها كدولة مارقة راعية للإرهاب.
أردوغان المصاب بجنون العظمة الداعم للإرهاب المتقلب في مواقفه، يواجه اليوم مشاكل سياسية واقتصادية وسيكون مصير الغزوات العثمانية الأردوغانية في سورية وليبيا الفشل والاندحار.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock