ثقافة وفن

الممالك الآرامية عالم أقرب للخيال لكنه حقيقي.. ساهم الآراميون بكتابة تاريخ العالم القديم بأسره

| المهندس علي المبيض

التعرّف على تاريخ سورية يعني الدخول إلى عالم أسطوري أقرب للخيال لكنه حقيقي وشيّق، ومن يستعرض الممالك والحضارات القديمة التي قامت في سورية وخلال الحقب التاريخية المختلفة ينتابه الشعور بالدهشة لاكتشافه عالماً حقيقياً ساحراً في مجال العمران والفن والثقافة والزراعة والحرف والعلاقات الإنسانية والقوانين التي كانت سائدة في تلك الفترة لتنظيم المجتمع.
إن ما يميّز الحضارة السورية القديمة عن غيرها من الحضارات هو تنوعها وتعداد تلك الحضارات التي قامت فوق ترابها الطاهر والغنى الكبير للمواقع التاريخية والتي تعود لمختلف الحقب التاريخية مما يجعل منها مدخلاً مهماً للباحثين والمهتمين بالدراسات التاريخية، فقد قامت فوق أرضها الطاهرة حضارات عديدة وسكنتها شعوب شتى منها: السومريون، الأكاديون، الكلدان، الكنعانيون، الأموريون، الفينيقيون، الآراميون، الحثيون، البابليون، الفرس، الإغريق، الرومان، النبطيون، البيزنطيون.

وخلال الألفية الثالثة والثانية قبل الميلاد حكم الكنعانيون عدة مناطق في سورية أما الفينيقيون فقد استوطنوا الساحل السوري مؤسسين امبراطورية بحرية في منطقة غرب سورية في حين توزعت الممالك الآرامية في معظم أنحاء سورية والتي قامت بعد انحسار موجة شعوب البحر، لقد غيّر ظهور الآراميين تاريخ الشرق الأدنى بل وتاريخ العالم القديم بأكمله وإن كانت المصادر الآرامية عن تاريخ الآراميين قليلة، كما أن البحوث والدراسات الخاصة بالآراميين وتاريخهم وعقائدهم ما زالت قليلة ولا تتناسب مع حضورهم في التاريخ ولا تتناسب أيضاً مع الحجم الحقيقي لحضارتهم ولغتهم وتاريخهم بشكل عام، إلا أنه من المتفق عليه أن الآراميين هم قبائل سامية هاجرت من الجنوب الجاف إلى مناطق الهلال الخصيب بحثاً عن الماء والغذاء والمراعي الخصبة وذلك على شكل موجات متعاقبة وقامت بتأسيس سلسلة من الممالك المستقلة الصغيرة إلا أنه لا يوجد كثير من الدلائل التاريخية التي تؤكد الموطن الأصلي للآراميين وزمن هجرتهم إلى سورية بدقة فكل ما استطاع المؤرخون معرفته عنهم كان من خلال بعض النقوش الآرامية والمخطوطات الآشورية وحوليّات الملوك الآشوريين وكذلك الرسائل التي تم اكتشافها في تل العمارنة لكن الأكيد أن قبائل الآراميين قد استغلت بداية انهيار الدول الموجودة في سورية وبلاد ما بين النهرين في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد لتستوطنها رغبةً منهم الاستفادة من خيراتها ومواردها فسيطروا على مدنٍ كثيرةٍ كان يسكن بعضها أناسٌ بقوا على نهج الحثيين وثقافتهم، وشكلوا الممالك الآرامية المستقلة تماماً والتي أصبحت مركز قوةٍ في تلك الفترة مثل: مملكة آرام دمشق، مملكة شمأل، مملكة بيت عديني، مملكة بيت زماني، مملكة بيت بخياني، مملكة بيت رحوب، مملكة فدان آرام، مملكة صوبا، مملكة آرام حماة، مملكة بيت أجوشي، مملكة آرام النهرين، مملكة بيت داكوري ومملكة بيت أموكاني ومملكة بيت ياكين في بلاد بابل.. وغيرها، كما نشأت في المنطقة الواقعة على ضفتي نهر الفرات والممتدة من دير الزور إلى مدينة عانة مجموعة من الإمارات الآرامية الصغيرة في الألف الأول قبل الميلاد أهمها: بيت خالوبي، ولاقي، وخيندانو، وسوخو.
مملكة آرام دمشق وعاصمتها مدينة دمشق امتدت من حماة في وسط سورية شمالاً إلى فلسطين في الجنوب ومن البادية السورية شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط في الغرب، تعتبر آرام دمشق سيدة الممالك الآرامية وعقلها المفكر وقلب مقاومتها ورمز صمودها وهي من أقوى وأشهر الممالك الآرامية في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد فقد قادت مع آرام حماة تحالفاً كبيراً لصد محاولات وأطماع الآشوريين بالتوسع وكانت المواجهة في معركة قرقر على نهر العاصي بالقرب من حماة عام 853 قبل الميلاد وقد ضمّ التحالف قوات مشتركة من أربع عشرة مملكة حيث شاركت مملكة آرام دمشق بهذا التحالف بعدد كبير من المقاتلين والعربات الحربية، قام ملوك الآشوريين بغزو مملكة دمشق مرات عديدة بهدف السيطرة عليها واستمرت مملكة آرام دمشق بمقاومة محاولات الآشوريين للاستيلاء عليها حتى عام 732 قبل الميلاد وهو يعتبر نهاية مملكة آرام دمشق عندما نجح الملك الآشوري تيكلات بيليصر الثالث بإخضاعها بعد معارك شديدة وقسّموها إلى عدة مقاطعات يحكم كلاً منها حاكم آشوري.
مملكة شمأل: قامت هذه المملكة في أقصى شمال غرب سورية في منطقة جبال الأمانوس حيث كانت تسيطر على مناطق واسعة امتدت حتى سهل العمق يعرف موقعها حالياً باسم زنجيرلي ويقع على بعد 120 كم شرق مدينة أضنة اكتسبت هذه المملكة شهرة كبيرة وازدهرت ما بين القرنين العاشر والثامن قبل الميلاد بسبب سيطرتها على الممر الرئيسي في جبال الأمانوس الذي يفصل سورية الداخلية عن البحر المتوسط وسهول كيليكيا الأمر الذي كان يتيح لها إمكانية مراقبة حركة القوافل التجارية وبالتالي التحكم بحركة البضائع التجارية القادمة من مناطق سورية الشرقية والداخلية المتجهة إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، كما أن وجودها في وسط غابات الأمانوس الغنية بشجر الصنوبر المطلوبة في تلك الفترة أكسبها أهمية إضافية، كانت شمأل مدينة محصنة بيضوية الشكل قطرها 720 م وتبلغ مساحتها 80000 م2 يحيط بها سور داخلي مزدوج تبلغ سماكته من 3 إلى 5 م بني في القرن الثامن قبل الميلاد ويصل ارتفاعه حتى 10 م يبلغ طوله 2200 م ويفصل بين السورين مسافة 7 م يضم السور الخارجي نحو 100 برج وفيه ثلاث بوابات كبيرة ربضت أمامها وزيّنتها خمسة تماثيل ضخمة لأسود منحوتة من الصخر لفرض الرهبة في نفوس مهاجميها وحمايتها حسب اعتقادهم، يوجد في مركز المدينة قلعة مسورة ذات أبراج تعتبر إحدى أهم المنشآت الدفاعية وفيها قصران ملكيان خضعت مملكة شمأل في القرن الثامن قبل الميلاد للسيطرة الآشورية المباشرة وتحولت إلى مركز للتوسع الآشوري.
مملكة بيت عديني تقع في الجزيرة السورية وهي إحدى الممالك الآرامية القديمة تأسست في القرن العاشر قبل الميلاد على جانبي نهر الفرات جنوب كركميش وتبعد مسافة 20 كم جنوب جرابلس توسعت هذه المملكة حتى نهر البليخ في الشرق وإلى بلدتي الباب وإخترين في الغرب وتميز موقعها بأهميته الإستراتيجية بسبب تحكمه في منطقة عبور الفرات من الشرق إلى الغرب وبالعكس، كانت عاصمتها تل بارسيب (تل أحمر حالياً) وهو يقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات جنوب كركميش (جرابلس حالياً) بعشرين كم ويعتقد أن مؤسسها زعيم آرامي يدعى بارسيب وقد وصل الآراميون إلى هذه المنطقة منذ أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد واستطاعوا مع الوقت توسيع مناطق نفوذهم وتأسيس مناطق استقرار دائمة.
مملكة بيت زماني تقع في الجزيرة السورية عند ينابيع نهر دجلة تأسست في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد ويرى بعض الباحثين أنها سميت بهذا الاسم نسبة إلى زعيم الآراميين الذي أسسها في تلك الفترة واسمه زماني كانت تعتمد في اقتصادها على استخراج النحاس المحلي من منطقة المناجم الواقعة على بعد 60 كم إلى الشمال الغربي من ديار بكر، وورد ذكر القصدير في حولياتهم مع المعادن الأخرى وخاصة الذهب والفضة تعرضت لمحاولات متكررة من الآشوريين للسيطرة عليها شأنها بذلك شأن باقي الممالك الآرامية.
مملكة بيت بخياني تقع في الجزيرة السورية في منطقة الخابور عاصمتها غوزانا جنوب غرب بلدة رأس العين تأسست في موقع تل حلف المشهور تعود بدايات العثور على آثار حضارتها الغابرة إلى الألف الخامس قبل الميلاد حيث ضمّت العديد من النقوش المكتوبة بالأكّادية والآرامية والتي شكلت المصادر الرئيسية لتاريخ هذا الموقع بالإضافة لاكتشاف العديد من القصور والمعابد والتماثيل كما أظهرت التنقيبات الأثرية أن غوزانا كانت مدينة محصنة محاطة بسور مستطيل الشكل تبلغ مساحتها نحو 200000 م2 تضم المدينة قلعة بالإضافة إلى قصرين أحد هذين القصرين شيّده أمير مملكة بيت بخياني ويدعى الأمير كبارا حيث نحتت عند المدخل كتابات تقول «هذا قصر كبارا بن خديانو عملته أنا ومن يمحو اسمي ويضع اسمه مكانه فليحترق أولاده».
وبالنتيجة نتساءل: ما الدروس المستقاة من استعراض تاريخ الممالك الآرامية؟
لابد من أن نشير إلى أن الآراميين قد شكلوا العديد من الممالك المستقلة عن بعضها في معظم أنحاء سورية إلا أنها كانت غير موحّدة بل كانت في بعض الفترات على خلاف ولم تكن على وفاق على الرغم من أنها كانت متجانسة في اللغة والحضارة والعقيدة.. وأشياء كثيرة لذلك فقد كانت مطمعاً للآشوريين للأسباب التي استعرضناها آنفاً وقد استطاع الآشوريون القضاء على معظم النفوذ السياسي للآراميين سنة 720 قبل الميلاد وانتهت الممالك الآرامية على يد سرجون شيروكين ملك نينوى.
إلا أنه وبالرغم من الانتصار العسكري للآشوريين لكنهم لم يستطيعوا هزيمة اللغة الآرامية وتأثيراتها المختلفة وظلت هذه اللغة مستخدمة على نطاق واسع وبقيت هي اللغة المحكية واللغة التجارية والثقافية ولغة الطبقة المخملية الآشورية وظل النفوذ الثقافي والحضاري للآراميين قوياً لقرون طويلة جداً خاصةً في الممالك التي بقيت حية بيد الآراميين ولعبت دوراً كبيراً قبيل سقوطها في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد مثل مملكة تدمر.
مستشار وزير السياحة

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock