اقتصاد

«مسؤولية تاريخية»

| علي محمود هاشم

كلام «كبير» درج خلال اجتماع مجلس الوزراء لمتابعة وتعزيز التنمية الاقتصادية في محافظة ريف دمشق: «مسؤولية تاريخية لقطاع الأعمال، النهوض التنموي الأفقي».. إلى جانب تعابير أخرى لا تقل وزنا في راهن ومستقبل الاقتصاد الوطني.. هذا الطراز من المفردات التي تفتقر لها قواميس أوساطنا التجارية عادة، تعيد بعضا من الترتيب الصحيح للأدوار الوطنية، فإذا كان لرجل تجارة ريف دمشق أن يرتب هذا القدر من «المسؤولية التاريخية» على من يمثلهم، بدءاً بنفسه، فهو يدرك ضرورة التشارك في مواجهة التبدلات الزاحفة نحو معيشة السوريين جراء الحصار.
من الناحية الأخرى، يحتاج رجال أعمالنا -بقدر أكبر- هذه اللغة المرنة وهم يعاينون «الكعكة» التي أتاحتها الحرب تذوي شيئاً فشيئاً إلى الحدود التي تشهد معها تحولاً متدرجاً لنخبتنا الاقتصادية لمجرد شريحة طفيلية مستسلمة غارقة في الهشاشة وتقاسم الحصص المتصاغرة، ولتتحول معها ضرورات الحفاظ على دورهم الوطني أمس، إلى حتمية انتزاعهم عن جسد الاقتصاد غدا.
بغض النظر عن الأسباب والدوافع، يجدر برجال أعمالنا، خدمة لأنفسهم أولاً، تقليب حديث نقيبهم في ريف دمشق حول «مسؤوليتهم التاريخية» بجدية، فما إن يتغيبوا عنها لأكثر مما يجب، حتى يصحوا قريباً على ذاتهم كأول الخسائر الجانبية لـ«الحتمية التاريخية» إبان «إحلال بدائلهم» لمصلحة نخب جديدة.. وفي تاريخنا القريب حتى ما قبل عقدين أو أكثر بقليل، الكثير من البراهين على ذلك.
إن الكثير من المؤشرات تؤكد بأن المسؤوليات الحكومية لم تعد تحتمل الانتظار، وقد تذهب قريباً إلى لحظة غير قابلة للاسترجاع من الإحلال القسري لنخب محلية داخل وخارج الحدود، أو صديقة.. هذه المآلات الطبيعية تنسجم مع روح الاقتصاد وفلسفته وحركته التاريخية، إلا أن نخبتنا التي تناهض «تقييد الاستيراد» متسلحة بخطابات مطولة عن مصلحة السوق، لا تلبث أن تتنكر لتلك الفلسفة –بسذاجة- عبر تجاهلها لقهرية قرار «إحلال البدائل».. ليس خافيا على الجميع، بأن ثمة من يلوح بالعودة بكامل عافيته الاستثمارية من خارج الحدود، ولا يطلب لذلك أكثر من «غمزة» ترف بها عين الحكومة، هنالك أيضا أصدقاء قد يتوافدون بثقلهم قريباً، وعندها لن يكون لنخبتنا الاقتصادية سوى مساحة ضيقة في محيط الطاولة الأبعد، ولن يعود لحاضنها الشعبي التاريخي من دور يذكر في صمودها أمام الذوبان التلقائي، بعدما فقدته سلفاً جراء الإقفال المديد لإحدى دفتي بوابتها بدافع من الفردية والخلاص الذاتي، والاستغراق الفج في «إستراتيجية الحشو تحت البلاطة».
سورية لم تعد في 2013، ونخبتنا الاقتصادية التي ما زالت عالقة في ذلك التاريخ من الخوف والتوجس، عليها التيقن من أن الطرازات القديمة لن تحظى بالطلب في مواجهة الأكثر قدرة وتعافياً وحداثة.. هذه حتمية تاريخية.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock