من دفتر الوطن

جحيم الكتابة

| حسن م. يوسف

«الكتابة هي الجحيم، ولو وجدت منفذاً للهروب منها لما ترددت لحظة واحدة! (…) كان علي أن أختار بين جحيمين، جحيم الصمت الذي تتعفن فيه الروح، وجحيم الكتابة الذي يحترق فيه كل شيء! وقد فضلت أن أحترق بالكتابة على أن أتعفَّن بالصمت!
نعم، أعتقد أننا، نحن المصابين بآفة الكتابة، قومٌ غريبو الأطوار! إذ بدلاً من أن نحاول إنهاء معاناتنا، مثل كل الناس، نحاول تضخيمها وتأبيدها من خلال الكتابة عنها؛ هل لاحظت أن الكاتب يمضي حياته في الركض وراء الأشياء التي يمضي الآخرون حياتهم في الهرب منها! المضحك أكثر، هو أننا نمضي وقتنا في سلخ أبناء قومنا في قصصنا ورواياتنا ومسرحياتنا وقصائدنا، ثم نأتي إليهم ونعرض عليهم جلودهم كي يشتروها منا! وإذا ما تجرأ أحدهم واعترض علينا، اعتبرنا ذلك تخلفاً واعتداء على حرية الإبداع!»
أعترف لكم أن هذه الكلمات الواردة أعلاه، والتي جاءت على لسان عبد الحليم سليم بطل قصتي «استئصال حنجرة» التي كتبتها قبل عشرين عاماً تعبر عن حقيقة موقفي من الكتابة. والحق أن جحيم الكتابة المؤبد الذي أتشوَّى فيه يزداد استعاراً منذ بدء الحرب الفاشية على وطني السوري الحبيب. فمع كل مشرق شمس، تزداد الكتابة صعوبة! والحق أنني بعد نحو نصف قرن من العمل في الصحافة بت أكثر اقتناعاً بأنني قد اخترت المهنة الخطأ، فإذا كتبت ما يرضي ضميري تعرضت لما يتعب رأسي ورجلي، وإذا لم أكتب قناعتي أتعبني ضميري وزعزع احترامي لنفسي!
علمتني التجارب في هذه الأيام المرة، أن الكتابة عن شخص رديء قد يكون فيها خدمة كبرى لمن هو أردأ منه بما لا يقاس! والكتابة عن خطأ بشع هنا قد يبرر جريمة كبرى هناك، لذا تراني أفقد اندفاعي في الكتابة، فأسير مثل سيارة رفع فرامل اليد فيها.
في مثل هذه الأيام من أواخر الثمانينيات، وفي طقس مثلج شديد البرودة، رأيت وأنا في طريقي إلى جريدة تشرين، مئات، وربما آلاف، من المواطنين يحملون البيدونات ويقفون بالدور على كازية مساكن برزة الحكومية، وقد صدمني المشهد وهزني عميقاً.
عقب وصولي إلى العمل رحت أتصفح الجرائد فوقعت على تصريح لأحد المسؤولين يقول فيه: «داهمنا الشتاء باكراً هذا العام»، فاستفزني كلامه إلى أقصى حد وكتبت زاوية أحسب أنها كانت بعنوان «توبيخ الشتاء». فقد وبخت فيها الشتاء على فعلته الناقصة، وشجبت مداهمته لحكومتنا الرشيدة في كانون الثاني على حين كانت هي تتوقعه في تموز… الخ.
في تلك المرحلة كنا نستورد المازوت من إيران بسعر منخفض، وبما أن إيران لا تدفع عمولة لجهابذتنا، فقد تباطؤوا في متابعة عملية الاستيراد، وعندما نشرت زاويتي يومذاك، قيل لي إن الجهابذة قد حملوا إيران مسؤولية التأخير، وأنهم حصلوا على إذن من جهة عليا لشراء المازوت من أي طرف وبأي سعر. وبعد يومين علمت أن الجهابذة استخدموني كمخلب قط لشراء المازوت بالسعر الحر من سفينتين كانتا بانتظار إشارتهم في المياه الدولية!
كثيرة هي القضايا الساخنة التي تكويني كما تكوي كل واحد من إخوتي السوريين، لكنني، خوفاً من أن يستعملني أحد ما كمخلب قط، أبتلع السكين وأنزف ببطء لأنني لا أريد أن أصب كلماتي في طاحون الفاشيين السفلة الذين هم السبب الأبعد والأعمق للمحنة القاسية التي يعيشها أبناء وطني. فواشنطن لا تخجل من الإعلان بأنها تريد دفع الدول أوروبية لتبني نهج الضغط الأقصى على الدولة السورية «لقطع طريق طهران – بغداد – دمشق – بيروت، ومنع الحكومة السورية من السيطرة على منابع النفط والثروات الإستراتيجية بالمنطقة الشرقية».
نعم، أؤمن أن الفاسدين والمقصرين والمستغلين والمنفصلين عن الواقع في الداخل السوري هم جزء أساسي من جسد العدو، ويجب أن يعلموا أن انشغالي بالأسوأ لا يعميني عن السيئ فيهم رغم سكوتي كصحفي عنهم.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock