ثقافة وفن

هل يتم توجيه البحث العلمي نحو إعمار سورية في الكليات المعنية؟ … الإعمار والترميم والبحث العلمي … ترميم مئذنة أموي حلب مثال جديد

| إسماعيل مروة

يشهد الجميع، القاصي والداني بالخبرات السورية القادرة على النهوض بسورية وإعادة إعمارها، وبجهود سورية محلية، وقد عرفنا وشاهدنا ما تم ترميمه من سوق السقطية في مدينة حلب، بجهود وخبرات سورية وجهتها شبكة الآغا خان من خلال مؤسستها الثقافية.. ومنذ مدة قريبة أصدر السيد الرئيس مرسوماً تشريعياً يخصّ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ويهدف المرسوم ضمن ما يهدف إلى تعزيز البحث العلمي وتطويره ضمن الإطار المؤسسي، ونعلم أن هذه الوزارة تضم الجامعات السورية العامة، وتشرف على الخاصة وتوجهها، وضمن هذه الجامعات طاقات غير محدودة، في الدراسات العامة الدنيا، والدراسات العليا فهل تعمل وزارة التعليم العالي على استثمار الطاقات السورية في إعادة الإعمار والنهوض بسورية، وكل واحد من مجاله؟ الاقتصادي في الاقتصاد، والمعماري في البناء، والإنساني في علوم الإنسان.. أم إننا سنبقى منتظرين أن يهبط علينا الإعمار الذي يتاجر بنا، ويأخذ الكثير، ولا يعطي سورية أي شيء؟

الدواعي والأسباب

تابعت عن قرب وشغف ما تم إنجازه من سوق السقطية وترميمه، والسرعة التي أنجز بها هذا المشروع، والتكاليف الزهيدة التي لا تعني شيئاً بمقاييس المال والاستثمار، ورأيت أن السرعة التي أنجز بها لا يمكن استيعابها بينما مشروعات أخرى أقل حاجة، وأقل كلفة، بدأت قبل مشروع السقطية، ولا تزال تعاني من الوصول إلى نقطة البداية، ضمن الروتين والمصالح، وكل ما في الأمر أن المؤسسة الثقافية عملت بمعزل عن المصالح والأموال والروتين فكان ما أنجزته.
ومنذ مدة قريبة دعيت لحضور مناقشة عمل علمي في جامعة دمشق- كلية الهندسة المعمارية، ولفت انتباهي العنوان: «مشروع توثيق وترقيم وتدعيم المدخل الرئيسي ومئذنة الجامع الأموي الكبير- حلب القديمة» وهو للباحثة المهندسة آمنة رضوان بوشي.. وبإشراف ومناقشة كوكبة علمية خبيرة في كلية الهندسة بجامعة دمشق.

أهم ما في الموضوع:

أ- الباحثة مهندسة معمارية متخصصة، وهذا يعني أنها خبيرة بقضايا العمارة والترميم.

ب- البحث أطروحة ماجستير، وهذا يعني إمكانية تسخير البحث العلمي والدراسات الأكاديمية للمشروعات التي تحتاجها سورية، فلو أن الأمر توجه هكذا فإننا سنجد عشرات الأبحاث العلمية على مستوى سورية تتناول الواقع بدل أن تدرس نماذج عمرانية لا علاقة لنا بها حالياً على الأقل.

ج- العمل علمي نالت عليه الباحثة درجة علمية، فهو أكاديمي، ويشرف عليه أساتذة خبراء ما يعني أن الدراسة مقوننة وعلمية، وليست عملية إنشائية تعتمد على القصّ واللصق والسرقات العلمية من هذا المرجع أو ذاك.

د- في أثناء المناقشة رأيت أن الباحثة قامت بنفسها بزيارات علمية عديدة إلى حلب القديمة وجامعها الأموي الكبير، وعاينت الهدم، ورأت الطحالب التي أعشبت على الحجارة المرمية منذ سنوات، وكل ما قامت به كان يعتمد على القياس الدقيق للحجارة والمساحات والأبعاد، ما يتيح القيام بترميم علمي.

هـ- تناولت الباحثة الترميم بحرفية ومهنية، وأشارت إلى أن قواعد الترميم تستبعد إضافة أي مواد غير أصيلة أو أي مواد حديثة إلى هيكل الترميم لأنه يخرج الموضوع الخاضع للترميم عن صورته الأصيلة.

و- يلفت الانتباه تلك الأفلام المصورة من الباحثة نفسها، والمخططات واللوحات التي قامت بوضعها بنفسها، ووفق مقاييس علمية ما يساعد على البدء بعملية الترميم مباشرة، من خبراء علميين، وخبرات سورية محلية كما كان في السقطية.

ز- وفي سياق بحثها كشفت الباحثة عن أخطاء تمت ممارستها في ترميم الأموي في مراحل سابقة، لأن من قام بهذه العمليات مهني لا علاقة له بدراسة الترميم، ولا يعطي الجوانب الأثرية قيمتها.

المئذنة وعمارتها

24 نيسان 2013 تاريخ انهيار منارة من المنارات القليلة الباقية، هكذا تفتح الباحثة آمنة بوشي بحثها عن مئذنة الأموي، لتبدأ بعد ذلك دراسة تاريخية عن الأموي ومئذنته وتاريخها، ومميزاتها وطبقاتها وشرفاتها والكتابات الموجودة عليها، إضافة إلى قراءة تاريخها الطويل والمهم، وما تعرضت له عبر تاريخها الطويل، ومن ثم عقدت موازنات بين هذه المئذنة والمآذن المماثلة، مئذنة العروس في جامع بني أمية الكبير في دمشق، وجامع معرة النعمان، وسواهما، وفي الحقيقة إن هذه الدراسة غاية في القيمة، لأن عدداً كبيراً حتى من المتخصصين يذكرون انهيار المئذنة، ودمار أموي حلب، ويرفقون ذلك بأحكام مثل: ليس للجامع وما فيه قيمة كبيرة، مجرد أثر تاريخي! وقد سمعنا ذلك.

قدمت الباحثة دراستها بكثير من الإتقان، وحازت رضا لجنة الحكم، والرسالة التي أنجزتها، من ناحية الدراسة التاريخية والميدانية والهندسية، في الصور والمخططات والمقاييس والرؤية بين أيدي المعنيين، والمفترض أن تكون هذه الأطروحات بين أيدي اللجان المعنية والهيئات المسؤولة لدراستها وإمكانية الإفادة منها، لا أن تتحول إلى رسالة أو كتاب يضاف إلى رفوف مكتبة.

أظن أن الطاقات السورية الشابة قادرة على فعل الكثير من أجل سورية وإعمارها ومستقبلها، وعلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن تحصر الأبحاث الأكاديمية في مرحلة التخرج ومرحلة الدراسات العليا ما يقدم جديداً للوضع في سورية، وعلى رئاسات الجامعات السورية أن تعطي هذا الميدان اهتمامها المطلق ليكون البحث العلمي حقيقة واقعة وليس مجرد مقالات وإنشاء.

شكراً لهندسة العمارة في جامعة دمشق وأساتذتها، والشكر للباحثة التي أظهرت رسالتها مقدار ما بذلت من مشقة وجهد، ونتائجها بين أيدي الباحثين والمعنيين فإن كانت جديرة فلتتم الاستفادة منها، وإلا فليتم التدارك والتوجيه.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock