ثقافة وفن

مصطفى الحلاج في ارتجالاته للحياة يبقى مُكرّماً … ابتسام زبيدي لـ«الوطـن»: لوحاته كأولاده ورفض تغيير أماكنها لتبقى أمام ناظريه

| سوسن صيداوي

رغم فرصته بالنجاة بحياته، إلا أن إلحاحه وإصراره كان في إنقاذ أعماله الفنية وجداريته، أمر أدى إلى اختناقه ووفاته، كيف لا فمنجزه الفني لطالما كان جزءاً لا يتجزأ منه، ولا ينفصل عنه لا بالموقف أو بالفكر.
وحتى اليوم مصطفى الحلاج وفي حضرة غيابه بقي متجذراً في فلسفته وأفكاره التي حكت الأساطير والحضارات مع القصص الشعبية برمزية ابتكارية جسدت أهم القضايا الإنسانية وعلى الخصوص القضية الفلسطينية، بتفرّد وتميّز وضعه في مكان لا يفسح المجال لأي مقارنة، كون أعماله بعيدة عن الصورة النمطية لمعاناة شعب طُــرد من أرضه، وبقي متمرداً قامعاً لطغيان الاحتلال الإسرائيلي.

رحل الحلاج ولكن أعماله تنم عن ملامح فكرية بصرية جمالية تتمتع بلغة خاصة رغم التناقض اللوني بين الأبيض والأسود، حافراً بأدواته السكين والمسامير على لوحته، ذاكرة يجب ألا تُنتسى مهما دار الزمان لتبقى كلهيبه المحترق متقداً بمواجهة الظروف المحبطة التي تضرب الوطن العربي.
الحلاج أتقن الرسم على الورق باستخدام الحبر والرسم على القماش باستخدام الزيت، والرسم بالأقلام الخشبية والباستيل إلا أنه تفرد في الحفر على ألواح المازونيت.
غاليري جورج كامل في دمشق وضمن معرض استعادي، احتفلت بذكرى الراحل مصطفى الحلاج عبر عرض أعمال متنوعة بالأحجام والأفكار وتعود لعدة فترات زمنية متباعدة، ملخصة نتاجاً فكرياً وإبداعياً دام لعشرات الأعوام عبر ست وعشرين لوحة، وللمزيد نورد لكم.

من غصّة الفراق

بداية نقف عند كلمة زوجة ورفيقة مشوار حياة الفنان التشكيلي مصطفى الحلاج، حيث حدثتنا السيدة ابتسام زبيدي باختصار ممزوج بخجلها وحزنها لفقدها عزيزها قائلة: «أنا أشكر غاليري جورج كامل على هذه اللفتة، وخصوصاً أن لكل من هذه اللوحات المعروضة ذكرى خاصة جمعتني بالحلاج، ولقد تأثرت كثيراً لما رأيتها، وعلى الخصوص الأعمال الملونة، فعلى الفور تذكرت كلماته عنها بوصفه لها «هذه أولادي». وحتى عندما كنت أطلب منه أن أرتب المرسم، كان يرفض الفكرة ويؤكد ألا أغيّر أماكنها، لأنه يريدها أن تبقى أمام ناظريه».

وفي كلمتها للزوج والحبيب وعما جمعهما من ذكريات تابعت: «لقد عزّ عليّ فراق الحلاج، فذكرى وفاته لازالت توجع قلبي، وأقول له «الله يرحمك»، لطالما أطلق علي لقب «اللزقة الفلسطينية» ووجودي في حياته ضرورة، وحتى عندما كان يرسم كان يطلب مني مراقبته كي أتعلم منه، هذا وامتد الأمر كي أرافقه في رحلاته ومعارضه وملتقياته وأشرف على ترتيب كل أموره».

وفي ختام حديثها وبمناسبة المعرض أكدت السيدة زبيدة ضرورة مواصلة ومتابعة العمل بالفن التشكيلي: «أحب أن أضيف بأنني سعيدة بمناسبة هذا المعرض، ولوجود أصدقاء الحلاج ومتابعيه وكل محبّ له، كما أنني أفتخر به كثيراً ويعزّ عليّ فراقه، وأقول للشباب التشكيليين ما كان يقوله بألا يترك أحد الرسم، بل على كل فنان لديه الطاقة ولو كانت بسيطة بأن يتابع ويرسم وينحت ويثابر، لأن الفن بالمثابرة».

شاهد على العصر

عن التطرف الجمالي للحلاج في رسم نفسه عقّب الكاتب سعيد البرغوثي قائلاً: «العمل الذي رسم نفسه به مراراً وتكراراً هو العمل الذي لا أعرف مصيره، وهو عمل ملحمي، إما اقترب وإما تجاوز المئة متر، وأطلق عليه مصطفى اسم «ارتجالات الحياة»، فلقد رسم نفسه كل عشرة أمتار، وكأنه شاهد على هذه الحياة، وبالطبع كل من يرى الرسم يعرف على الفور بأن الحلاج رسم نفسه. وهنا أحب أن أشير إلى نقطة مهمة جداً بأن كل من النحت أو الحفر لا يقبلان الخطأ، في حين الرسم بالألوان يقبل التصحيح لمئات المرات، أما عمل المئة متر «ارتجالات الحياة» لا يقبل الخطأ، وبالتالي هذا عملياً شيء خارق، كما وأن الحلاج- كون العمل لا تتسع له الجدران- كان قد ابتكر له طريقة عرض كما في أكبر الصالات والمتاحف العالمية، وهذه الطريقة بالعرض كنا رأيناها في باريس، وفناننا اتبع نفس الأسلوب وعَرض للأصدقاء العمل وأنا أحدهم، ومن هنا رأيت هذا العمل العظيم ورأيت الحلاج كيف يرسم نفسه شاهداً على العصر، كما أنني أجده فناناً وابن زمانه، وكلامي هذا انطلاقاً من أن الفنان العظيم هو الذي يتمكن من أن يسلّط الضوء على الواقع بجمالياته وببشاعته وببؤسه، وأيضاً برسالته عبر أعماله الفنية الإبداعية التي ليست مجانية ولا تأتي عن عبث، وتنم عن عظمة هذه الأعمال من أنها تتحمل قراءات متعددة، فلابد من التأكيد بأن العمل الفني الذي لا يحمل إلا قراءة واحدة هو عمل فقير ومن ثم نحن عندما ننظر إلى الأعمال المهمة ومن ضمنها أعمال فناننا الحلاج، نجد فيها عدة رموز وكل متلقٍ يعطيها قراءة خاصة، وأخيراً الفنان التشكيلي مصطفى الحلاج هو ابن زمانه ويحمل رسائل للمستقبل».

شارك في مجد فن البلدين

وأخيراً تحدث الناقد التشكيلي سعد القاسم عن فناننا الراحل معتبراً إياه ذاكرة الفن التشكيلي الفلسطيني متابعاً بل وفناننا هو ذاكرة المقاومة الفلسطينية، حيث استطاع أن ينتهج أسلوباً خاصاً به وباعتماده لفترة الأبيض والأسود، كما اشتُهر بلوحاته الطويلة، والتي كانت تبيّن الوجه الإبداعي للنضال الفلسطيني، هذا وتمكن الحلاج من تقديم فن تشكيلي خاص به، متجسداً بالرموز التي كان يصوغها لأفكاره ومشاعره التي كان يولّفها بطريقة بغاية التفرد، بل حتى من جاء بعده قام بتقليده. للأسف رحل عنا بطريقة مريعة مفضّلاً أعماله على حياته، ولابد من الذكر بأنه قبل أن يتوفى كان يعمل على أطول لوحة.
وبقي أن أقول: بقدر ما مصطفى الحلاج يعبّر عن الفن التشكيلي الفلسطيني فإنه أيضاً يعبّر عن الفن التشكيلي السوري، حيث شارك في مجد الفن في البلدين، وهذا ليس غريباً على طبيعة العلاقة بين سورية وفلسطين.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock