قضايا وآراء

نتنياهو و«صفقة القرن»

| تحسين الحلبي

الحركة الصهيونية اعتادت عدم تفويت أي فرصة من أجل اغتصاب فلسطين، وقد جاءتها فرصة في أدق مرحلة إقليمية وعالمية بين عامي 1945- 1947 حين انتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار بريطانيا وحلفائها، فاستغل بعض من قادة الحركة الصهيونية مثل حاييم وايزمان وديفيد بن غوريون، نتائج الحرب العالمية الثانية وبدؤوا بشن أكبر حملة دعائية أوروبية وعالمية لإقناع الرأي العام والحكومات الحيادية بأن اليهود في أوروبا دفعوا ثمناً باهظاً نتيجة الأعمال النازية، ولابد من تعويضهم بدفعهم نحو فلسطين، وأصبحت «شعارات المحرقة» و«الهجرة اليهودية إلى فلسطين» تفرض جدول عمل أتاح للحركة نقل 250 ألفاً من يهود أوروبا الناجين من الحرب العالمية الثانية إلى فلسطين، لكي يشكلوا قوة بشرية مسلحة تستكمل الاستيلاء على كل فلسطين، وبدلاً من أن يعود يهود أوروبا إلى مدنهم وقراهم وممتلكاتهم في أوطانهم الأوروبية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية قرر الحلفاء، بريطانيا وفرنسا وأميركا بشكل خاص، جمعهم في معسكرات ومخيمات في المدن الأوروبية نفسها ونقلهم إلى فلسطين، وبقيت شعارات المحرقة تستخدم بعد عام 1948 وإعلان دولة الاحتلال، لإحضار المزيد من اليهود كقوة بشرية تخدم الأهداف التوسعية.
قبل أسابيع قليلة بدأت الأوساط الإسرائيلية بقيادة حملة صهيونية واسعة في أوروبا والولايات المتحدة وروسيا وكندا، تعلن فيها أن مظاهر «معاداة السامية»، والمقصود عند إسرائيل معاداة اليهود، بدأت تزداد أمام تقصير حكومات الدول الأوروبية في حمايتهم.
وامتدت الحملة إلى اتهام الأميركيين بمعاداة السامية ورغم أن حكومات أوروبا تدرك أكثر من غيرها بعدم وجود مثل هذه المزاعم الإسرائيلية إلا أنها تعاطفت معها لكي تساعد إسرائيل في تحقيق هدفها من هذه الحملة وهو تشجيع اليهود على الهجرة إلى إسرائيل بعد أن تبين أن مليوناً من اليهود يقيمون في أوروبا وروسيا الاتحادية وأن 6 ملايين من اليهود يقيمون في أميركا ومازال 95 بالمئة منهم لا يرغبون في الهجرة إلى إسرائيل، ويقول جوناثان توبين وهو أحد الكتاب من اليهود الأميركيين الصهيونيين في المجلة الإلكترونية «جويش نيوز سينديكيت» الأميركية: إن المطلوب من أوروبا وأميركا العمل الآن على إعداد «صفقة القرن» للتنفيذ، بعد أن تعرقل السير فيها في العام 2018 بحجة انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية ووجود حكومة تتولى الانطلاق بتنفيذها.
بالمقابل شن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حملة في أوروبا بين الأوساط اليهودية تحت شعار «لا أمن لليهود إلا في إسرائيل» وبدأ يتهم الحكومات الأوروبية بالتقصير في حماية اليهود من «المتطرفين الأوروبيين المعادين لهم»!
لاشك أن إسرائيل وقيادة الحركة الصهيونية وجدا في هذه الأوقات فرصة لإعادة بث الحياة في «صفقة القرن» المشلولة، فهما يريدان من جهة أولى أن تمارس الولايات المتحدة وأوروبا الضغط على بعض الأدوات العربية للانضمام علناً إلى تبني الصفقة وأن تبدأ هجرة يهودية جديدة إلى إسرائيل لأن مثل هذه الهجرة مرتبطة بتنفيذ «صفقة القرن» ودورها في تصفية حقوق الشعب الفلسطيني وتصفية كل أشكال المقاومة لكي يتشجع بعد تصفية المقاومة مئات الآلاف من يهود أوروبا وأميركا للهجرة ما دامت المقاومة متوقفة بموجب خطة «صفقة القرن»، ولذلك يستميت نتنياهو على البقاء في السلطة لعله يدشن هذه الصفقة التي لا يختلف بشأنها مع معظم الأحزاب الإسرائيلية.
بالمقابل يجد كل أطراف «صفقة القرن» على المستوى الدولي والإقليمي، أن مثل هذه الصفقة يستحيل فرضها على الأمة العربية وعلى الشعب الفلسطيني وعلى حلفائه في محور المقاومة، وهذا ما يعرفه نتنياهو، لكنه يستغل فرصة الانقسام العربي والفلسطيني لكي يزيد من انقساماته وتوليد النزاع بين مختلف القوى العربية والإسلامية في المنطقة تمهيداً لإعادة ترتيب ديموغرافية الأراضي المحتلة وإفراغها من أصحابها الحقيقيين بانتظار المهاجرين الجدد.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock