قضايا وآراء

دبيب حماس نحو قرن الصفقة

| عبد المنعم علي عيسى

كان قطاع غزة إشكالياً بالنسبة للكيان الإسرائيلي منذ قيامه في أيار من عام 1948، آنذاك لم يسع المؤسس ديفيد بن غوريون إلى احتلاله، وهو عندما فعل خلال حملته على سيناء عام 1955 عاد وتراجع عنه قبيل أن يقرر وزير حرب حزيران 1967 موشي دايان الذهاب نحو الإمساك بالجغرافيا التي شكلت عبر قربها من الحدود المصرية لاحتوائها على نسيج مجتمعي متعب وذي خصائص تبدي مقاومة أكبر تجاه محاولات التأثير فيها حالة من الصعب السيطرة عليها، ولذا فإن تل أبيب لم تتردد في رمي القطاع بأحضان السلطة الفلسطينية الناشئة ما بعد توقيع منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاق أوسلو في أيلول من عام 1993 ظناً منها، أي من تل أبيب، أن ذلك سوف يساعد في تسخير الأخيرة، أي السلطة الفلسطينية، كشرطي حارس على حدود القطاع بدرجة ضامنة أكبر للأمن الإسرائيلي.
لم يطل الوقت بالإسرائيليين لكي يكتشفوا زيف الاعتقاد السابق، وهم اضطروا للتعاطي مع تنامي نفوذ حماس بفعل أوسلو الذي رفضته شرائح فلسطينية وازنة إلا أن مركز ثقلها الأوزن كان قد تمركز في قطاع غزة، ولم تكد تمر عدة سنوات على أوسلو حتى أطلق الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية ضد القطاع بدأت في نيسان 2001 ولم تتوقف حتى أيلول 2005 الذي شهد إطلاق تل أبيب لخطة «فك الارتباط الأحادي».
شكل فوز حماس في انتخابات عام 2006 تحدياً كبيراً ليس لتل أبيب وحدها بل للسلطة الفلسطينية التي وجدت نفسها في قارب واحد مع الأولى، ثم سرعان ما شخصت هذي الأخيرة أن نجاة القارب هو أمر يقتضي تلاقيات بدرجة أكبر مع الإسرائيليين وصلت إلى درجة طلب العون العسكري لمنع وقوع القطاع تحت سيطرة حماس المطلقة الأمر الذي حصل في حزيران 2007 والذي انتهى إلى ما يشبه «الإمارة المستقلة».
بين عامي 2005 و2019 شنت إسرائيل عشر حروب ضد قطاع غزة من دون أن تؤدي كلها إلى تحسن في الوضع الأمني الإسرائيلي وفق نظرة تل أبيب، إلا أن خريف هذا العام الأخير كان قد شهد تطورا ذا دلالات واضحة، ففي أتون المواجهة الأخيرة التي دارت بين حركة الجهاد الإسلامي والجيش الإسرائيلي قررت حماس البقاء على الحياد، الأمر الذي شكل مفاجأة غير متوقعة، إلا أنها لم تكن في سياق مجرد كما يبدو، ففي أعقابها أعلنت واشنطن وقف مساعداتها للسلطة الفلسطينية وتحويل جزء منها لبناء مشفى ميداني في غزة، ثم سرعان ما تتالت خطوات أخرى تصب في الجعبة نفسها فقد أعلن وزير الجيش الإسرائيلي نفتالي بينيت وجود دراسة حول جدوى إقامة ميناء بحري في غزة متلاقيا بذلك مع طروحات سابقة لوزير خارجية الكيان يسرائيل كاتس الذي كان قد رسم خطة للخروج من الركود السياسي عبر إنعاش اقتصاد غزة بشكل مستقل وبعيداً عن الضفة الغربية.
كانت دلالات ومؤشرات السياق السابق كافية لقرع أكثر من جرس إنذار في رام اللـه التي أظهرت توجسا حول إمكان أن تكون الحركة، أي حماس، متورطة في صفقة القرن، وهي بذلك ستكون كما المدية التي ستستلها تل أبيب لذبح جنين الدولة الفلسطينية الذي طال ركوده في الرحم.
هناك الكثير من سلوكيات حماس التي تبرر مخاوف رام الله، والمؤكد أن التوتر الحاصل في أعقاب الجولة الخارجية التي قام بها رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في الأسبوع الثاني من الشهر الجاري، له ما يبرره وخصوصاً في محطته العمانية التي توقف فيها هنية للتعزية بالسلطان قابوس الراحل بالتزامن مع وجود الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي كان فيها أيضاً للسبب نفسه، وهي، أي تلك السلوكيات، على تنوعها تندرج في سياق يبدو الأهم راهنا، وهو يتمثل في أولوية السيطرة على غزة، في مؤشر يبدي احتمالا بإمكان تبني قرار يرى إمكان قيام الدولة الفلسطينية المأمولة انطلاقا من تلك السيطرة، وهو تطور إذا ما تأكد سيكون كارثياً، وتحولياً بدرجة كبيرة، فحماس سبق لها أن خونت منظمة التحرير في أعقاب قبولها في أوسلو بقيام الدولة على مساحة 22 بالمئة من مساحة فلسطين التاريخية، فيما القطاع لا تزيد مساحته على 1.5 بالمئة من تلك المساحة.
قد يكون حدوث اختراق كبير بين حماس وتل أبيب أمر دونه عقبات كبرى، بل قد يبدو أمراً بعيد المنال بالنسبة للكثيرين، وخصوصاً أن طرفي الصراع يجمعهما الآن مصلحة آنية يبرزها هدف التهدئة المفيد للاثنين، فرئيس الأركان الإسرائيلي آفيف كوخافي كان قد قال: إنه أقنع أحزاب الائتلاف الحاكم بأهمية التهدئة مع حماس للتفرغ للمواجهة الأهم مع إيران وحزب اللـه، على حين حماس ترى أن التهدئة قد تكون مقدمة لبسط سيطرتها على القطاع وبتزكية إسرائيلية، إلا أن الأمر يبدو أبعد من تلك التلاقيات، والراجح هو أن وراء الأكمة ما وراءها، من نوع أن يكون هناك توجه داخل حماس، أو أقله تيار وازن فيها، يرى أن ثمة مكاسب يمثلها الانخراط في صفقة القرن، وهو توجه يصح توصيفه الآن أنه قيد التبلور، أما القول بنجاح هكذا سيناريو، أو فشله، فذاك قول مبكر وهو يظل رهنا بتطورات داخلية بالترافق مع تطورات إقليمية تنتظر هي الأخرى تبلوراتها.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock