قضايا وآراء

محاكم إسرائيل و«الجنايات الدولية»

| تحسين الحلبي

في 21 كانون الأول الماضي 2019 كشفت مجلة «كول هازمان» الإسرائيلية الصادرة بالعبرية أن 1132 من الإسرائيليين تقدموا بدعوى قضائية لمحكمة في إسرائيل بحجة أنهم من «ضحايا العمليات المسلحة الفلسطينية» خلال فترة 1995 حتى عام 2005، للمطالبة بتعويضات مالية من «البنك العربي» واتهامه بدعم الإرهاب وتمويل المنظمات الفلسطينية المسلحة وما نفذته من عمليات في تلك السنوات ضد هؤلاء الإسرائيليين.
وحدد المحامون الإسرائيليون لهذه العائلات مبلغ 20 مليار شيكل كقيمة للتعويض أي ما يزيد على 5 مليارات دولار تقريباً، وأشارت المجلة الإسرائيلية إلى بدء الإجراءات القضائية، وكانت إسرائيل قد شجعت عدداً من الإسرائيليين الذين يحملون الجنسية الأميركية بتقديم دعاوى في عام 2004 ضد «البنك العربي» في نيويورك بالتهمة نفسها وبالمطالبة بتعويضات مالية، لكن «البنك العربي» تمكن من كسب القضية وإبطال قرار المحكمة الأميركية بالنظر في هذه الدعوى، وها هي إسرائيل تعود الآن وتقدم دعوى باسم 1132 من الإسرائيليين «المتضررين» من عمليات مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال 10 سنوات 1995- 2005!
وبالمقابل لا تزال الحكومة الإسرائيلية تبذل جهودها لعرقلة محاكمة ضباط ومسؤولين بارتكاب جرائم حرب في «محكمة الجنايات الدولية» في مدينة لاهاي بهولندا، فقد بدأت الضغوط على القضاة المتخصصين للتخلص من إجراءات المحاكمة بحجج فنية وسياسية عرض فيها أفيخاي مانديلبليت أن السلطة الفلسطينية ليست دولة لكي تطلب مثل هذه المحاكمة و«محكمة الجنايات الدولية» ليست لها سلطة على إسرائيل، وكانت السلطة الفلسطينية في نيسان عام 2009 قد فرضت على اللجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بتعيين لجنة للتحقيق بجرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الاحتلال في قطاع غزة خلال اجتياحها له في كانون الأول 2008 حتى بداية كانون الثاني 2009، وفي مدة 23 يوماً من القصف والاجتياح البري العسكري اختارت الأمم المتحدة قاضياً من أصل يهودي من جنوب إفريقيا لرئاسة لجنة التحقيق هو ريتشارد غولدستون، وفي ذلك الوقت أعد غولدستون تقريره بوجود جرائم حرب ارتكبها الجيش الإسرائيلي وكان عدد الضحايا يزيد على 2500 نصفهم من الأطفال تقريباً.
وقدم غولدستون التقرير للجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لعرضه على مجلس الأمن الدولي في تشرين الأول عام 2009 وهو من 575 صفحة، لكن السلطة الفلسطينية أعلنت عن تأجيل تقديمه لمجلس الأمن وفضلت الخضوع للضغوط الأميركية في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وبهذا الشكل تم إبطال مفعوله وبقي في الأدراج بل زاد «الطين بلة» إعلان غولدستون عن تراجعه عما جرى استنتاجه في هذا التقرير وقال: «كان مجرد استقصاء وليس مجرد استجواب قضائي، وتنكر لجرائم الحرب الإسرائيلية في نيسان 2011 بعد أن وجد أن السلطة الفلسطينية لم تعد تهتم بعرضه على مجلس الأمن الدولي، حيث يمكن في هذا المجلس إدانة إسرائيل ووضع الدول الكبرى أمام مسؤولية قرار الإدانة، وفي هذه الأوقات ها هي القيادة الإسرائيلية تفتح باب محاكمها لكل من يرغب من الإسرائيليين في الادعاء على «البنك العربي» والسلطة الفلسطينية ومنظمات مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وتقوم بمحاولة مكشوفة لابتزاز «البنك العربي» بينما يقوم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بتجميد أموال الفلسطينيين التي يجمعها باسم الضرائب منهم ثم يهدد بأنه سيحسم منها ما تقدمه السلطة الفلسطينية من رواتب شهرية لأسر الشهداء وللأسرى داخل السجون ولعائلاتهم، وبهذه الطريقة تكشف إسرائيل عن وجهها المجرم متى تشاء، وعن ادعائها بالضحية متى تشاء، وتستخدم كل الوسائل والمنابر، بينما نلوذ بصمت ونتنازل عن حقوق ضحايا شعبنا حتى حين تعترف بها المنابر الدولية!

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock