ثقافة وفن

أنور العطار: شاعر الرومانسية والوصف والطبيعة

| نبيل تللو

من الشائع جداً لدى عامة الناس، ولاسيما ممن يهتمون بالأدب والشعر، أن الشاعر «عمر الخيَّام» قد استفرد بنظم القصائد الشعرية المعروفة بـ: «الرباعيات»، وهي مقطوعاتٌ شعرية من أربعة أبيات تدور حول موضوعٍ معيَّن. إلا أنه وقع بين يديَّ ديوان شعرٍ للشاعر السوري «أنور العطار» نُظِمت قصائده بالشكل ذاته، أي الرباعيات، وقد رأيت التعريف به في هذه المقالة، راجياً أن يتذكَّر كرام القارئات والقراء ما نسوه، وأن يتعرَّفوا إلى ما لا يعرفونه.

وُلِدَ وتوفِّيَ في دمشق «1331-1392هـ=1913-1972م»، نشأ يتيماً فقيراً، فكفله أخوه الأكبر، تلقَّى بعضاً من تعليمه الابتدائي في بعلبك «وكانتا ضمن بلدٍ واحد»، ثمَّ أتمَّه في مدرسة «البحصة» في دمشق، وتابع دراسته الثانوية ثم العالية في مدرسة «الآداب العليا» التي أُحْدِثت يومئذٍ في الجامعة السورية. كان مهتماً بالرياضيات، بدأ عمله في التعليم عام 1929 بتعيينه مديراً لمدرسة «منين» بريف دمشق الشمالي، ثم انتقل إلى العراق عام 1936 واشتغل مدرِّساً في كلٍّ من بغداد والموصل، ومنحته بلدية الموصل لقب: «مواطن موصلي». عاد إلى سورية عام 1940، وأصبح مدرساً للأدب العربي في ثانويات حلب، ثم تابع عمله في التدريس في مختلف المراحل التعليمية في دمشق وفي العراق والسعودية، وفي وظائف إدارية حتى إحالته إلى التقاعد.
ظهرت لديه ميولٌ أدبية منذ صغره، وشارك بتأسيس «المجمع الأدبي» الذي كان يضم نخبة ممتازة من أدباء دمشق وشعرائها، واتصل برئيس المجمع العلمي العربي محمد كرد علي، وكان من أصدقائه أديب الشام علي الطنطاوي، ومعروف الأرناؤوط صاحب رواية «سيد قريش»، وكان من المعجبين بأمير الشعراء أحمد شوقي، فأكثر من قراءة شعره وحفظ جملةً من قصائده، وبأحمد حسن الزيات صاحب مجلة الرسالة. وظلَّ الأدب والشعر هوايته المفضلة حتى آخر حياته التي انتهت إثر عمليةٍ جراحيةٍ أجريت له في مشفى المواساة في دمشق، ودفن في مقبرة الدحداح.
بدأ أنور العطار بكتابة الشعر منذ كان في التاسعة عشرة من عمره، وأول قصيدةٍ كتبها عنوانها «الشاعر»، ومطلعها:
خلَياه ينُحْ على عذباته ويصغُ من دموعه آياته
ويتل آياته بخشوعٍ
مستمداً من العلا نفحاته
وقد بلغ عدد أبياتها ستةً وخمسين بيتاً، وفيها وصف وصوَّر مشاعر وخلجات الشاعر، وتوالت القصائد بعد ذلك، التي نشرها في الصحف والمجلات العربية، كمجلتي الرسالة والزهراء المصريتين، والأديب اللبنانية، فلمع اسمه في دنيا الأدب والشعر، وترافق ذلك مع ظهور الشاعرين الشابين زكي المحاسني وجميل سلطان، وقد كرَّمهم المجمع العلمي العربي في حفلٍ مشترك تشجيعاً لهم وتقديراً لنبوغهم.
ولم يكتف العطار بنشر قصائده، بل كان يلقي شعره في المناسبات الثقافية، مثل مهرجان الشعر الذي كان يقيمه المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم منذ عام 1959، وكان يشارك به شعراء من مختلف الأقطار العربية.
يغلب على موضوعات شعره الاهتمام بالطبيعة ووصف الأزهار والحدائق والأنهار، وهو ما ينطبق على دمشق وغوطتها وبرداها وخريفها وربيعها، ولبنان بجباله ووهاده وسمائه وبحره ومصايفه البديعة، وبغداد ودجلتها، والبصرة وشطها، وقد نظم كل ذلك شعراً جيداً.
كما أكثر في أشعاره من التعبير عن خلجاته النفسية، وأحزانه التي رافقته دائماً، وعن تأملاته في الحياة والكون، إلى جانب موضوعاتٍ وطنية وقومية مثل الشهيد وتمجيد البطولة العربية في أسمى معانيها.
وهذا يدلُّ على أنه شاعرٌ رومانسي يعزف على أوتار الشعر ويغني أعذبه، وهو يُعنى بالفكرة إلى جانب عنايته بالكلمة والجملة، وقد تطغى عنايته بسحر الكلمة على جمال الفكرة، كما أن أسلوبه يتصف بالجوالة والأناقة والإشراق، وفيه عذوبةٌ ولين، وتدفق ومضاء، وذو إيقاعٍ موسيقي واضح.
طُبِع ديوانه الأول عام 1948، وقدَّم له صديقه علي الطنطاوي، وكان عنوانه: ديوان «ظلال الأيام»، ثم أعاد ابنه هاني طباعته عام 2013 في المملكة العربية السعودية، وضمَّ نحو خمسةٍ وسبعين قصيدة.
وفي عام 2015 صدرت الطبعة الأولى من ديوان: «رباعيات أنور العطار علَّمتني الحياة» في السعودية وبتحقيق ابنه أيضاً، وفيه استهلَّ الشطر الأول من كلِّ رباعية غالباً بـ: «علمتني الحياة»، أو «علَّمتني»، وهذا التكرار ما هو إلا تأكيد من الشاعر أن الإنسان في حياته دوماً على مقاعد التعلم وحلقات الدرس، ودوماً طالبٌ وتلميذٌ في مدرسة الحياة الكبرى. بلغ عدد الرباعيات في هذا الديوان مئة وخمس وسبعين رباعية شعرية، لكلٍّ منها عنوانها، وفيها لخَّص رؤاه وفهمه وفلسفته للحياة، وقدمها جميعها ممزوجةً برهافة حسه الشعري العالي، وصنعته اللغوية المبدعة، ومنه اخترت قصيدة: «الخلق السمح»:
علمتني الحياة أن من الأخـ
ـلاق ما يملأ النفوس بهاءً
رُبَّ نفسٍ أعزَّها الخلق المحـ
ــمود كانت أرضاً فصارت سماءً
كل شيءٍ إلى فناء ويبقى الـ
ـخلق السمح لا يُحِسُّ فناءً
فأقم صرحك الجديد عليه
يستطل دِعْمَةً ويخلد بناءً
ومن كتبه النثرية: «الخلاصة في الأدب»، بالاشتراك مع نسيب سعيد، مطبوعات المكتبة الكبرى للتأليف والنشر في دمشق عام 1953، الوصف والتزويق عند البحتري، أسرة الغزل في العصر الأموي، دراسة كاملة لنثر أحمد شوقي ولكتابه: «أسواق الذهب»، أغاني الديار. كما أن له بعض المخطوطات الشعرية انتقاها من روائع الشعر العربي ومنها: «شوقيات لم تنشرها الشوقيات»، «ألف بيتٍ وبيت». وما زال هناك بعض قصائده مخطوطةً ولم تنشر حتى الآن.
ختاماً أقول: لا شكَّ أنَّنا نعرف كثيرين من مبدعي بلدنا، كما أننا لا نعرف الكثيرين أيضاً، ومنهم شاعرنا «رحمه اللـه»، وهم الذين تسعى الجهات المعنية، ومنها صحيفة «الوطن»، لإبرازهم وتوضيح دورهم في بناء منظومتنا الأدبية وحياتنا الثقافية العلمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock