قضايا وآراء

«صفقة القرن».. العبث بالتاريخ ممنوع

| سيلفا رزوق

ربما لم يكن لأكثر المتشائمين قبل نحو عشر سنوات فقط من يومنا هذا، أن يرسم صورة للمشهد العربي على الصورة التي ظهر بها الأسبوع الماضي، عندما خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاملاً خريطة فلسطين وعلى المقاس الإسرائيلي، معلناً عن حلول نهائية للقضية المستمرة منذ سبعين عاماً وهذه المرة بصياغة ومشاركة إسرائيلية عربية.
المشهد «الترامبي» الممزوج مع «صلافة» الطروحات، والعبث بتاريخ وجغرافية المنطقة بهذه الطريقة، بدا مقارباً إلى حد التطابق لما جرى قبل نحو قرن من الزمن، عندما منح وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور، أرض فلسطين لليهود لإقامة كيان لهم، راسماً ومن معه من قوى استعمارية مسيطرة في ذلك الزمان خرائط المنطقة، قبل أن يتراجع الانكليز وتستلم واشنطن زمام الهيمنة في منطقتنا، مستكملة إرث بريطانيا في دعم إسرائيل وإطلاق يدها كما تشاء.
ورغم أن مسار القضية الفلسطينية شهد الكثير من محاولات التصفية، غير أن المشاركة العربية المعلنة في حياكة «الصفقة» وبصورة علانية، مسنودة بكم الفوضى والخراب الذي خلفه «الربيع العربي»، واعتقادها بنجاحها في تغيير بوصلة الجيل، نحو عدو آخر، صبغ ما خرج عن واشنطن بصبغة من المرارة، أوجعت الملايين من المتفرجين على المشهد «الترامبي».
بالنظر إلى المقدمات والظروف الدولية والعربية وحتى الفلسطينية القائمة، يمكن القول إن النتيجة جاءت موازية لهذه المقدمات، فالمنطقة بلغت من الضعف والارتهان مستويات غير مسبوقة، وتاهت فيها الخيارات، ومعها الشعوب التي اشتغل عليها كثيراً لتصل حد «التموت» الوطني، والذي يعتقد الكثيرون بنجاحه، بدلالة خلو الساحات العربية هذه المرة من أي محتجين أو معارضين لبيع مقدساتهم وبيع فلسطين مرة أخرى، بصفقة «الأرض مقابل المال».
توصيف المشهد وعلى سوداويته لا يعني أن ما نراه هو الحقيقة، والاعتقاد بنجاح المخطط الأميركي الإسرائيلي الذي اشتغل عليه لسنوات طويلة، لن يكون قادراً على فرض أمر واقع جديد للمنطقة، فالحقائق والمسلمات لا تتغير مهما كثرت محاولات العبث بها.
إذا ما رجعنا إلى أرض الواقع، كيف يمكن لأميركا تطبيق ما تخطط له، هل تملك هذه « الصفقة» أقداماً حقيقية لتمشي عليها، وماذا عن المليارات والمشاريع التي تعهدت دول الخليج بتمويلها، كيف ستنفذ، ومن سينزل على الأرض لتنفيذها، من يمكنه الاشتغال فوق أرض ترفضه، وترفض مشروعه، وحتى الأراضي التي تحتفي إسرائيل وراعيتها أميركا بإعلان الاعتراف بتبعيتها لتل أبيب، هل خرجت فعلاً من وعينا، ألم يبق الجولان سورياً حتى بعد احتلاله ومحاولة ضمه لإسرائيل، ألم تبق القدس فلسطينية، كل فلسطين مازالت فلسطينية، وكل فلسطيني في شتات الأرض وجيلاً بعد جيل مازال يتباهى بفلسطينيته، ومازال على قناعة بعودته الحتمية إلى أرضه.
امتلاك سطوة الإعلام لتقديم الصورة التي تريد أميركا وإسرائيل رؤيتها لا يعني أنها الحقيقة، ولا يعني تمرير مشاهد التطبيع بين الحين والآخر، أنها باتت مقبولة، وأربعون عاماً من السلام بين مصر وإسرائيل لم تكن كافية لتقبل الشعب المصري لفكرة أن إسرائيل كيان طبيعي، دون أن ننسى سيل الدماء العربية والفلسطينية التي سقطت ولا تزال في طريق البحث عن وسائل لاستعادة الحقوق.
محاولات القص والترقيع التي قام بها ترامب لن يكتب لها النجاح، والمعادلات الشعبية والتاريخية، لن تسمح بتمرير ما يخطط له، وما قدمته واشنطن ليس أكثر من محاولة مستجدة لتصفية القضية الفلسطينية، وتغيير مسار المنطقة، لا يمكن له أن يمر، بشهادة التاريخ.

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock