ثقافة وفن

فنان سوري عالمي رسم كورونا قبل خمسة عشر عاماً … سبهان آدم لـ «الوطن»: ليست نبوءة وإنما قراءة تحت عنوان فساد الأمكنة بكل ما تحتويها

| إسماعيل مروة

سبهان آدم فنان سوري عالمي مختلف، فهو فنان فطري مثقف رؤيوي، وصل إلى مرتبة عالية على المستوى العالمي، ولوحاته محفوظة في مختلف دول العالم، وهو فنان سوري بالمعنى الإيجابي للكلمة، فهو واضح مع من يختلف معه بالرأي، وإن اجتمعا، وهو ناقد شرس لكل من اختار انتماء أو ارتباطاً يتعارض مع مفهومه للوطنية ولسورية، ومنذ بدأت الحرب على السوريين وسورية كان واضحاً في انحيازه، ولم يغادر سورية نهائياً، مع أن لوحاته كانت تجول العالم وتباع، ويعلن سبهان عدم انتمائه لأي نقابة أو هيئة في سورية أو سواها، وينتقد المؤسسات الرسمية بما تمثله وما تقوم به تجاه المبدع السوري من دون مواربة أو مجاملة.
المبدع والاستشراف

اعتمد سبهان آدم على الموروث والقراءة والمعرفة والحدس في كل ما قدمه، وعلى أكثر من صعيد كان فناناً متقدماً، وقبل أن يلتفت أحد إلى دلالة الكلمة الشاعرة قدّم تجربة أكثر من شاعر وقول في لوحات لا تنتمي إلى اللوحات الحروفية، وإنما تنتمي إلى رؤية الكلمة وتشكيلها وعمقها ودلالاتها، فقدم شعر نزار قباني المتعلق بالوطن والمرأة على السواء، فكانت لوحات بحاجة إلى قراءة واعية وفاهمة، وانطلق في ذلك من استشرافه الإبداعي، ومن أن نزاراً وما قاله من نقد سياسي واجتماعي سيكون الملاذ في مرحلة لاحقة.
وفي شوارع دمشق كان يضحك والحرب مستعرة، ويقول: إن سورية ستبقى وستنتصر، وعندما حدثت الانتخابات الأميركية، وقبل أن تعلن النتائج كان سبهان قارئاً بفطرته، ويقول: إن وجه العالم سيتغير، وخاصة مع مجيء الرئيس الأميركي ترامب، وهو من القلة التي كانت ترى أن آمال خصوم سورية به ستخيب، وبأن هذا الرئيس سيغير المعادلات، وسيكون أقسى ما يقوم به ضد حلفائه، ورسم لوحة في الأيام الأولى توحي بما سيقوم به هذا الرئيس، وكان جلساؤه يتضاحكون من رؤيته، لكن الأيام كانت إلى جانب الرؤية الإبداعية الاستشرافية، وبقي الفنان في شوارع دمشق وأنديتها يتنفس ويبدع ويرسم ويلتزم بما آمن به، وخاصة أنه زار المنطقة الشرقية ورأى وعاين ما يحدث على أرض الواقع، فعاد بدافع أمومي، وآخر إبداعي أكثر إيماناً بضرورة الوقوف إلى جانب سورية الوطن، مع أنه يقول: إن المبدعين السوريين الذين وقفوا إلى جانب سوريتهم، وهم قلة، بحاجة إلى دعم مشروعهم الثقافي والفني والإبداعي، وليس بشكل إفرادي، بل يجب تخصيص رصيد لدعم الحركة الإبداعية لأنها الأهم في نظره.

الترويج لفنه
منذ عقود وسبهان استطاع أن يحقق ترويجاً مهماً للوحته من خلال اتباع ما تتبعه دور العرض العالمية، من شهادة اللوحة، إلى الكتب الفخمة التي يعدّها مع كل معرض يقوم بتقديمه، ليكون دليلاً لفنه وحافظاً له، بل إن كثيرين كانوا يستهجنون ما يصرفه سبهان آدم على فنه، ويرون أنه لا طائل منه، وكان جوابه لا يوجد أهم من الإبداع، وعليّ ألا أبخل على لوحتي بأي شيء.
واليوم ومنذ عشر سنوات، وحين توقف الناس عن العمل كان سبهان من القلة القليلة، وقد أبهر الجميع بتقديم أفلام تصويرية مكلفة وعالية المستوى والجودة في مرسمه، وفي مسارح كبرى ضمن سورية، لإيمانه بأن الفن لا يمكن أن ينفصل بعضه عن بعض، فاستعان بالموسيقا والضوء والصورة والجسد والمجاميع البشرية، ليقدم بانوراما عن أعماله ولوحته وموضوعاتها، لتكون هذه الأفلام هي الرسول الذي يصل إلى كل مكان في ظل حصار شديد يفرضه أعداء سورية عليها، ولا أكتم أنني سعدت بهذه الأفلام وبفكرتها والإبهار الذي قدمه فيها، ليظهر أن الفن التشكيلي ليس لوحة صماء، وإنما جزء من كتلة فنية بصرية لونية حركية، وأن اللوحة حياة وليست زخرفة ديكور!
وفي دمشق طرحت عليه سؤالين فقط عن الرؤوس المقطوعة وكورونا فأجاب: قدمت قبل أكثر من عشرين عاماً معرضاً ضمّ لوحات عن الرؤوس المقطوعة ما الذي دفعك إليه؟
الرؤوس المقطوعة إيحاء إلى ما جرى على الأرض السورية من الجماعات الإرهابية تجاه الإنسان السوري، واخترت هذه الصيغة اعتماداً على قراءتي للتاريخ بوعي، ورؤيتي بأن التاريخ مملوء بمثل هذه الحوادث القائمة على القتل وقطع الرؤوس، ولم أكتف بالإشارة إلى القيمة الدينية والتاريخية، بل عمدت إلى قراءتها كحركة متواصلة في التاريخ، فطالما أن الفكر لم يتحرر، فإن الطريقة السائدة في الإلغاء والإقصاء والتهميش والقتل ستكون ذاتها.
وقد لفتت لوحاتي المتعلقة بالإنسان والرأس المقطوع أنظار النقاد وتناولوها، لأنها كانت نبوءة وغريبة عن الجو الفني العام، لكن قراءة الفنان وإحساسه جعلني أخالف السائد وأرسم هذه اللوحات التي تحولت بعد 2011 إلى جزء من حياتنا، وشكلت توثيقاً للذاكرة السورية والعالمية.
هناك لوحات قدمتها قبل خمسة عشر عاماً، وتعدّ بالعشرات، وجميعها يأخذ شكل الإنسان اليوم في ظل كورونا، التعقيم، الكمامة ما سر هذه اللوحات؟
أرسم بشكل عفوي، وبعمق سياسي لما أراه، ومن هنا توالت هذه الصور، وألحّت على مخيلتي البصرية حتى حولتها إلى لوحات وفي معارض عديدة، ومع أن هذه اللوحات لقيت صدى طيباً إلا أن كثيرين استهجنوا رؤيتها في تلك الفترة، وعدّوا هذه اللوحات من قبيل فانتازيا اللون والفكر، واليوم صرنا نجد الناس يتجولون حولنا وأمامنا ومعنا في العالم أجمع دون استثناء أي دولة، وعلى الصورة التي جاءت إلى مخيلتي وتذكر أنني قلت منذ عدة سنوات عندما تحاورنا بأنني معني بما يعيشه العالم، وقد أطلقت على هذه الفكرة فكرة (فساد الأمكنة) فبرؤيتي الفنية والفكرية، وأنا رسام راديكالي متطرف للحق، لا أدخل في السائد فكرياً وفنياً، ومستقل عن أي منظومة، وأبقى ابناً للبلد وما يعيشه ويحياه.. لذلك عندما ألحّت علي فكرة فساد الأمكنة، وأنا أرقب العالم من شرفتي أو شرفة المقهى في دمشق التي لم أغادرها قمت بنقل الفكرة إلى اللوحة فكانت مجموعة كبيرة من اللوحات وكلها تمثل إنسان اليوم وهلعه من كورونا.
وربما لاحظت أن بعض اللوحات ليست لبشر، وهذا يعزز انطلاقي من هاجس فكري، ففساد الأمكنة عندي وفي ذلك الوقت البعيد يقصد فساد العقل والروح والنفس وكل ما يترتب عن ذلك من سياسة وثقافة وفكر، وبالتالي هذا الفساد ينعكس على مفردات الطبيعة التي لم نحسن إليها، وإنما وضعناها في دائرة الفساد والخطر.
سبهان آدم يجلس متأملاً بفطريته، ولكنه يطرح دوماً قضايا مهمة سواء في لوحاته أم في أفكاره أو مقولاته، وهو يحمل نقداً قد يكون قاسياً نوعاً ما تجاه الجهات الوصائية التي لم تحتضن المبدعين السوريين – كما يرى- بالشكل اللائق، لأنه يرى أن الإبداع هو الحصن الأهم لإنقاذ البشرية من أشياء عديدة، فالثقافة والفكر يمكن أن يرقيا بالعقول ويبتعدا عن العنف والإرهاب وقطع الرؤوس، لتتحول اللوحة والفكرة إلى العناصر الجمالية الدالة.

والإبداع يرقى بالإنسان، ويجعله حريصاً على الحياة والمكان وجميع عناصر الحياة الجميلة، فالأمكنة لا تفسد وحدها، وإنما يكون فسادها من فساد الإنسان وأطماعه بكل شكل من الأشكال، وهو ما يسبب الحروب المدمرة غير المرئية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock