العقيدة السامية

د. اسكندر لوقا

قد لا يكون المرء مؤمناً بعقيدة سائدة في مجتمعه، ولكنه في مقابل ذلك قد تكون لديه عقيدته بجوهر إنسانيته، وبذلك يبدو أكثر وفاء لدوره في الحياة من صاحب عقيدة يظهرها في مناسبة ولا يظهرها في مناسبة، وطبقاً لهذه القاعدة فإن من يؤمن بأنه في ذاته يحيا الإنسان الذي ينشده، يستطيع تجنب الازدواجية التي تبعده لا عن الآخرين فحسب بل حتى عن نفسه.
في المجتمعات التي لم تنضج فيها القيم المثلى التي تنير الدروب أمام أفرادها، من غير المستبعد أن نتلمس لا أن نرى فقط اختلاط الألوان بعضها مع بعض بحيث تمّحي صورة الأصل، سواء أكان الأصل لوحة أم لحناً أم أثراً أدبياً.
إن التزام المرء بعقيدة ثابتة، بغض النظر عن كونها عقيدة سائدة أم لا، يُعد عنوان وضوح شخصيته في الظروف كافة لا في إحداها فقط وذلك لاعتبارات تتعلق بمكونات شخصيته.
في هذا السياق، غالباً ما يحدث الشرخ في المجتمعات التي لم تتفهم جيداً ما تمليه عليها ظروف قد لا تكون متوقعة فتفقد القدرة على الرؤية، وبالتالي يكون السقوط في التجربة.
إن الوضوح في الرؤية وحده الذي يساعد المرء على معرفة أين يضع قدميه ومتى يضعهما في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، وهذه المعادلة يفتقدها الإنسان الذي لا يدرك جيداً أنه كيان قابل لمعرفة ما ينقصه وما يجب عليه تداركه، وليس لأنه لم يعتنق عقيدة بحد ذاتها، لأن الأهم من ذلك أن تكون له رؤيته التي تقوده لخدمة الذات قبل الآخر، لأنه بذلك يستطيع تخطي الذات وصولاً إلى الآخر.
العقيدة بهذا المعنى، أن تتجسد أولاً إيماناً بالذات، وأن تجير هذه الذات لجهة ما يُنتظر من أي فرد من أبناء هذا المجتمع أو ذاك، ليكون من بين حملة أدوات البناء لا الهدم، على غرار من يحمل المعول بيد والسلاح بيد دفاعاً عن كيان الفرد والمجتمع في آن.
إن سورية اليوم، تخوض امتحان الانتماء إلى العقيدة التي تؤمن بأن الوطن لأبنائه كافة، وتبرهن عن إيمانها هذا بتضحيات أبنائها، بعيداً عن المعتقد الديني والطائفي والمذهبي وسوى ذلك، وها هي ذي تمضي في طريق جعل هذه الحقيقة حقيقةً إن صح التعبير ولا تحيد عن طريقها وصولاً إلى يوم النصر المرتجى.
في هذا السياق نقرأ للأديب والروائي الفرنسي الشهير الفونس دودييه (1840- 1897) قوله: عش في الحقيقة، سدد خطاك دائماً نحو ما هو سام في الحياة، وستكون حياتك شعاراً كبيراً ونبيلاً.
بطبيعة الحال نعلم جميعاً أن قراءة القول، أي قول شئت، شيء، وترجمته إلى واقع شيء آخر، وهذا ما ينبغي لنا أن نأخذه بعين الاعتبار حتى نفيد من قراءة تداعيات تجارب السلف من أعلام المفكرين في تاريخ البشرية.