الخيول العربية… من رمز أصالة يلتصق بالعروبة إلى انفصام بين الفرس وفارسها

بثينة البلخي

 

تثير علاقة الطفل «أليس رمزي» بحصان عربي أصيل يلتقي به على متن سفينة تبحث عن الله في قلب المحيط، خيالات أشبه بالسحر عما يمتلكه الحصان من رمزية عميقة الدلالة ليس في فيلم «الحصان الأسود» الذي يقدمه على أنه طريق سريع جامح إلى الله يتعلق به الطفل فحسب، بل في أدبيات وفنون الغرب والشرق على حد سواء، وثقافة العرب بشكل خاص.
في الفيلم الإيطالي يجذب الحصان الذي كان يحبسه صاحبه العربي ضمن غرفة على متن السفينة الطفل «أليس» إليه ليشفق عليه ويطعمه مكعبات السكر ويطلق عليه اسم «الأسود»، وفي ليلة تغرق السفينة ويستطيع الحصان الخروج من سجنه ليعوم برشاقة فينجو من الغرق ويصطحب معه الطفل الذي يتمسك بحبل مربوط في رقبة الحصان، وينتهي بهما الحال على جزيرة ستشهد علاقة جميلة واستثنائية بين الطفل والحصان.
ليس الفيلم أو الطفل جوهر الحكاية، بل اختيار المؤلف والمخرج لحصان عربي، فما تملكه الخيول العربية من سمات ترتقي بها إلى مصاف الرقي والجمال الباذخ، يجعل منها سرا عسيرا على الفهم؛ لماذا هي من دون غيرها من الحيوانات امتلكت هذا القدر من التفرد، فوحدها شابهت الإنسان العربي – قديما- وصفا بالأصالة ليشابهها فروسية، ووحدها شابهته حظوة بحفظ سلالاتها وتدوينها ليخصها بعلم «أنساب الخيل»، ووحدها كانت الملهم الأكثر إبهاراً لتزخر ثقافته بنتاج أدبي – لعل الشعر أهمه- جعل من الحصان العربي إحدى عيونه التي يفاخر بها.
تاريخ المنطقة العربية مع الخيول عريق جدا، وتحكي كتب التاريخ أنها كانت وحشية غير مستأنسة، وأول من اعتنى بها إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، إذ روضها وكان أول من ركبها، وحتى التماثيل المصرية القديمة، وبخاصة التمثال الذي يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين الأعوام 2000 و1300 ق. م. أظهرت خيولا عليها علامات الصفات العربية.
ويقول الجاحظ: «لم تكن أمة قط، أشد عجباً بالخيل، ولا أعلم بها، من العرب»، ولطالما اعتبروها أهم أسباب قوتهم وسيادتهم، إذ يذكر التاريخ أن حكيم العرب أكثم بن صيفي أوصى قومه بها فقال: «عليكم بالخيل فأكرموها فإنها حصون العرب»، وحتى في التراث الإسلامي هناك من الأحاديث النبوية الشريفة ما عظم مكانة الخيل وحث على اقتنائها، والرسول عليه الصلاة والسلام أوصى بتعليم الصغار ركوب الخيل، ويروى عنه قوله: «الخيل معقود في نواصيها الخير»، و«من كان له فرس عربي فأكرمه أكرمه الله وإن أهانه أهانه الله».
وتجاوزت علاقة العربي بخيله حدود الاقتناء والاعتماد عليها في حله وترحاله وحروبه، فمن الأبيات الأكثر ترددا على لسان العرب، تلك التي يصف فيها عنترة بن شداد علاقته بفرسه «الأدهم»، وقد لا يختلف محبان للشعر على أن روعتها تكمن في وصف عنترة مشاعر الفرس حتى يخيل لك أنه يتحدث عن إنسان آخر يشاركه جنون الحرب وآلامها:
يدعون عنتر والرماح كأنها… أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحره.. ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه.. وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى.. ولكان لو علم الكلام مكلمي
سيسأل سائل ما الذي يدفع أحدهم لكتابة مقال عن الخيل، في بلد تضج فيه الحرب بالأخبار، لا العكس، فلعلها هي من سئمت تناولها بالتحليلات والتوقعات والدعوات والأماني، وسئمت الموتى والجرحى، والخراب والدمار، وهي من ينتظر لحظة تغادرنا فيها فترتاح من لعناتنا اللعينة لها، لكن الجواب حاضر في ذاتها, الخيول هي ليست حيوانات تدب على الأرض، تبهر ناظريها بجمالها ورشاقتها، ولا صهوات تمتطى تزرع في نفوس فرسانها هيبة الشجعان، ولا هي أيقونات للأفلام والأشعار والروايات، إنها سر من أسرار قوتنا فقدنا جماله، وضيعنا بملء إرادتنا جوهره، حتى باتت الخيل تدور في إطار ما سبق من احتمالات.
يقول أمل دنقل..
الفتوحات في الأرض – مكتوبة بدماء الخيول
وحدودُ الممالك
رسمتها السنابك
والركابان: ميزان عدل يميل مع السيف
حيث يميل
اركضي أو قفي الآن.. أيتها الخيلُ:
لستِ المغيرات صبحا
ولا العاديات – كما قيل – ضبحا
ولا خضرة في طريقك تُمحى
ولا طفل أضحى
إذا ما مررت به… يتنحَّى
وها هي كوكبة الحرس الملكي..
تجاهد أن تبعث الروح في جسد الذكريات
بدقِّ الطبول
اركضي كالسلاحف
نحو زوايا المتاحف..
صيري تماثيل من حجرٍ في الميادين
صيري أراجيح من خشبٍ للصغار – الرياحين
صيري فوارس حلوى بموسمك النبوي
وللصبية الفقراء حصاناً من الطينِ
صيري رسوماً… ووشماً
تجف الخطوط به
مثلما حفَّ – في رئتيك – الصهيل!
هي كذلك فعلا، صور تزدان بها أغلفة صفحات فيسبوك، وتماثيل يتباهى بها المالكون لها، وقصص تكتب لتعاش خيالا ليس إلا، وليست الفكرة في عودة زمان الخيل العربي، بل في فقدان الإنسان في منطقتنا لما تمثله الخيول من معنى الأصالة والفروسية والفراسة، وما تحمله من صفات يبدو محزنا جدا أنها تمتلكها بينما يفتقر إليها مالكوها ومن ارتبطت أسماؤهم بها.
تذكر مجلة «الخيل العربي المصري» صفات الخيول العربية الأصيلة وهي، حب الموسيقا، والشجاعة والحماسة، والذكاء والفطنة وحب التعلم، والوفاء لصاحبها والتضحية في سبيله، والصبر والقدرة على تحمل المشقات والفوز بالسباقات الطويلة، وجميعها صفات من المؤسف أنها لا تتوافر اليوم لدى العربي الذي كان من روضها ولعله من اكتسبت منه صفاتها، فلا شجاعة وحماسة أمام سالبيه حقوقه منذ عشرات السنين، ولا ذكاء وفطنة تعينه على الاعتبار والاتعاظ من تاريخه الحافل بالمطبات المتشابهة، وحب التعلم عنده مرهون بما يحقق له ذاته في حدود ضيقة لا ترقى للتفكير في تطوير مجتمعه، أما الوفاء والتضحية فتلك مما أكل عليه الدهر وشرب، ولعل ما نحن فيه اليوم من تدهور تعيشه المنطقة العربية أحد أبرز الأدلة على انعدام الوفاء تجاه الأرض والوطن والأخ والصديق.