ثقافة وفن

بهيج الخطيب.. تاجر الزيت الذي أوصله الفرنسيون إلى الحكم

شمس الدين العجلاني :

من بلدة شحيم الواقعة بقضاء الشوف في لبنان إلى رئاسة الدولة السورية.. من تجارة الزيت في لبنان إلى قمة السلطة في دمشق…
حين أتى دمشق جاءها بحثاً عن العمل، فتدرج في عدة مناصب حكومية فيها منذ العهد الفيصلي «1918- 1920م» إلى أن جاء عام 1939 فقلّده المفوض السامي الفرنسي زمام الأمور بدمشق وأصبح رئيس حكومة المديرين «بمنزلة رئيس للجمهورية»، وفي الستينيات من القرن الماضي وبعد أن حط به الزمان لملم أوراقه وتاريخه السياسي المثير للجدل وعاد آفلاً إلى لبنان مسقط رأسه وتوفي هناك.
كتب الكثير عنه في تلك الأيام، وتناولته الصحافة اليومية تارة بالمدح وأكثر الأحيان بالذم، وكان نجماً كاريكاتيرياً في أغلب الأحيان على صفحات مجلة «المضحك المبكي»، سيرته مكان جدل وراء الكواليس السياسية، ولكن إجماع الرأي كان: أنه عميل للانتداب الفرنسي.
كانت علاقته سيئة مع الكتلة الوطنية، أكبر أحزاب البلاد وأقواها آنذاك، والكتلة الوطنية لم تكن على وئام معه، لأنه من المقربين للمستعمر الفرنسي، كما كان على صراع مع الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر لذا اتهم «الخطيب» بأن بصماته واضحة في اغتيال الشهبندر… وكان أيضاً بهيج الخطيب في دائرة الاغتيال؟!
تاريخنا زمن المستعمر الفرنسي لم يزل مخبأ ومقفلاً عليه في الأدراج والمفاتيح مع الفرنسيين؟!

عود على بدء
في عام 2008م عرض الفيلم السوري حسيبة، وبعد عرضه ناشد أبناء وحفيد بهيج الخطيب (عدنان ‏ودعد وحفيده شفيق)‏ القائمين على الفيلم «حسيبة»: «عدم التعرض والتجريح ‏الشخصي والدخول بالأخطاء والمغالطات التاريخية التي تمس بالإساءة ‏لشخص الرئيس الراحل بهيج بك الخطيب، على غرار ما حصل في مسلسل (‏أبو كامل)؛ وكما نعي فإن مقام رئيس الدولة محفوظ ومكانه محترم ومحاط ‏بضمانات أخلاقية وقانونية». مخرج الفيلم ريمون بطرس أكد أن الفيلم ليس سوى رسالة حب لنساء دمشق.
والفيلم يرصد واقع النساء الدمشقيات خلال الفترة الواقعة بين عامي 1927 و1950، من خلال الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة في تلك الفترة ومنها فتره حكم بهيج الخطيب.
وفي عام 2013م كتبت عدة مقالات عن سيرة حياة بهيج الخطيب ومحاولة الاغتيال التي تعرض لها وعلاقته باغتيال الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر، فوردني اعتراض على ما كتبت من الأستاذ شفيق الخطيب حفيد الرئيس بهيج الخطيب يقول فيها: «يؤسفني جداً أن اقرأ مقالة بعنوان: «بهيج الخطيب رئيس حكومة المديرين بين العمالة والاغتيال؟!» فيها الكثير من التجني على الحقائق والوقائع تطال فخامة الرئيس بهيج بك الخطيب… سوف أهديك إن شاء اللـه نسخة من كتابي بعنوان «لبناني رئيساً للدولة السورية 1939-1941 بهيج بك الخطيب» ليكون عندك معلومات صحيحة وغير مغلوطة يستفيد منها القارئ العربي. الكتاب قيد الطباعة والكتاب يتناول بشكل مسهب قضية مقتل الشهبندر ويوجد فيه فقرة بعنوان: من قتل الشهبندر؟».
وطبعاً لم أعرف حتى الآن إن صدر الكتاب المذكور أم لم يصدر..

من هو بهيج الخطيب؟
ولد بهيج الخطيب من عائلة ميسورة الحال تعمل في الزراعة والتجارة في قرية شحيم اللبنانية الواقعة حالياً بقضاء الشوف عام 1895م، درس في لبنان ومارس بعض الأعمال الزراعية وتجارة الزيت فيها، تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مدرسة سوق الغرب، وأنهى دراسته في الكلية الإنجيلية السورية، كان يجيد الإنكليزية والفرنسية والتركية إلى جانب العربية، عرف بكونه هادئاً وذا طموح سياسي، كافح العثمانيين وتعاون مع الانتداب الفرنسي! متزوج وله من الأولاد عدنان ودعد….
في عام 1918م زمن الحكومة الفيصلية انتقل إلى دمشق وكان يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً قاصداً العمل في مؤسسات الدولة، فعمل مع الأمير فيصل، الذي أسند إليه عدة وظائف في وزارة الداخلية وبقي في دمشق بعد انهيار المملكة السورية وخروج الملك فيصل ووقوع بلاد الشام تحت وطأة الانتداب الفرنسي، وظل الخطيب يعمل في المؤسسات الفرنسية وكان مقرباً من سلطات الانتداب، عرف بصداقته للرئيس السابق تاج الدين الحسني وعدائه للكتلة الوطنية.

رئيس الحكومة
أصدر المفوض السامي الفرنسي غبريال بيو القرار رقم 144 تاريخ 8 تموز 1939م حيث نص في مادته الأولى على إيقاف الدستور فيما يتعلق بتنظيم وسير السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وفي مادته الثانية حل مجلس النواب، وفي مواده الثالثة والرابعة والخامسة أنشأ مجلس المديرين ومنح رئيسه صلاحيات إصدار قرارات التعيين لكبار الموظفين والقضاة وأعطى لرئيسه الحق بإصدار المراسيم التي لها قوة القانون بعد موافقة المفوض السامي!! فكانت حسب قرار المفوض السامي الفرنسي غبريال بيو حكومة المديرين مؤلفة من بهيج الخطيب رئيساً ومديراً عاماً للداخلية، وخليل رفعت مديراً عاماً للعدلية، وعبد اللطيف الشطي مديراً عاماً للمعارف، وحسني البيطار مديراً عاماً للمالية، ويوسف عطا اللـه مديراً عاماً للأشغال، ونوري المدرس مديراً عاماً للاقتصاد الوطني. دامت هذه الحكومة من 8 تموز عام 1939 م إلى 1 نيسان عام 1941 م أي سنة وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوماً. وأعطيت لرئيس مجلس المديرين صلاحيات الداخلية والخارجية ومصالح الأوقاف والفتوى والشرطة والدرك والصحة والإسعاف العام! وكانت قرارات مجلس المديرين بمنزلة قرارات مجلس الوزراء وذلك استناداً لقرار المفوض السامي الفرنسي رقم 145 تاريخ 8 تموز عام 1939م.

أجواء عامة واغتيال الشهبندر
في ظل الانتداب الفرنسي عام 1939م، قامت في البلاد السورية، احتجاجات شعبية وأعمال شغب احتجاجاً على قانون الأحوال الشخصية وسلخ لواء اسكندرون عن سورية، وإعطائه إلى تركيا، كما شهدت البلاد في تلك الفترة، التصدع الذي أصاب أكبر الأحزاب السياسية السورية: الكتلة الوطنية في صفوفها في الأشهر الأولى من عام 1939م، وعدم موافقة البرلمان الفرنسي على معاهدة 1936م «معاهدة 1936 عُقدت بين الانتداب الفرنسي والسلطات السورية تنظّم العلاقة بينهما وتؤدي إلى الاستقلال»، تبلورت هذه الاحتجاجات بتظاهرات حاشدة، وأرفقت بأعمال شغب، ما جعل سلطات الانتداب الفرنسي تنشر قواتها وخاصه قوات المرتزقة المراكشيين في أنحاء دمشق.
سلسلة هذه الأزمات أدت في النهاية لاستقالة رئيس الجمهورية وتوقيف العمل بالدستور.
في ظل هذه الظروف الشعبية والسياسية بحثت فرنسا عن رجل يؤتمن من قبلها لإدارة دفة الحكم في سورية، فوقع اختيارها على بهيج الخطيب.
لعب بهيج الخطيب دوراً مهماً في سياسة سورية في عهد الفرنسيين في فترة عصيبة ودقيقة وكان تلميذاً نجيباً في تنفيذ أوامر وتعليمات المستعمر الفرنسي.
حكم الخطيب بموجب السلطة التنفيذية والتشريعية التي أعطيت له من قبل الفرنسيين، فكان الخطيب رئيساً لحكومة دُعيت «حكومة المديرين» ولم يسمّ رئيساً لسورية لأن فرنسا في تلك الأيام لم تعين وزراء، بل نصّبت على كل وزارة مديراً ومنحته صلاحيات الوزير من دون لقب!
تميّز عهد الخطيب بعدم الاستقرار السياسي إضافة إلى الصراعات الداخلية مع القوى والأحزاب الوطنية، وكان الخطيب محط اتهام من جهات عدة بأنه أحد الموظفين الأكفياء الموالين لفرنسا، ووقعت في عهده حوادث جسام، منها اغتيال الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر في 6 تموز 1940م في عيادته بدمشق في حي الشعلان، وتداول السياسيون والصحافة آنذاك، ومن ثم مذكرات العديد من الشخصيات السياسية، أن السلطات الفرنسية المستعمرة اتهمت الكتلة الوطنية بهذه الجريمة وجنّدت رئيس مجلس المديرين بهيج الخطيب للنشاط في هذا المضمار، فاعتقلت «أو اعتقل بهيج الخطيب» نحو ثمانين من أعضاء الكتلة وحققت معهم، ومن ثم حمّلت مسؤولية اغتيال الشهبندر إلى ثلاثة من زعماء الكتلة الوطنية هم: سعد اللـه الجابري، ولطفي الحفار، وجميل مردم بك. وقيل حينها ولم يزل يقال إلى الآن، إن الانتداب الفرنسي استغل خلاف الرأي الذي نشب بين الكتلة الوطنية والشهبندر، والحملات التي شنها في خطاباته على معاهدة 1936، والذين أيدوها، لاتهامهم بجريمة اغتيال الشهبندر. وهذا الأمر اضطر رجال الكتلة الذين أُلصقت بهم التهمة إلى الهروب من سوريه للدول المجاورة ريثما تنجلي الأمور، ويتم التحقيق في هذه الجريمة..

صديق فرنسا
حكم الخطيب البلاد السورية في ظل تعطيل العمل بالدستور، وحل مجلس النواب، وشهدت رئاسته الصراع بين دول الحلفاء ودول المحور حول السيطرة على سورية خلال الحرب، كان الخطيب ممالئاً الانتداب الفرنسي، ومنع العمل السياسي والحزبي، وتعرضت البلاد لأزمة اقتصادية حادة وتضخم سريع… لم يحفل رئيس حكومة المديرين بالسمعة الوطنية العطرة، بل كان موضع انتقاد وتهكم من قبل العديد من الشخصيات السياسية والصحفية، وتناولت الصحف الصادرة آنذاك ما تعانيه البلاد من سوء وعماله زمن حكم مجلس المديرين، وكان الكاريكاتير للخطيب يتصدر صفحات مجلة «المضحك المبكي».

كلمة
من خلال ما نكتب نريد تسليط الضوء على تاريخنا بلونيه الأسود والأبيض، بهدف واحد هو: «أمّة لا تعرف تاريخها لا يمكن لها بناء مستقبلها» ومن خلال ما نعمل عليه قد نخطئ وقد نصيب، ويبقى أمامنا: إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر!.
و اللـه من وراء القصد

مقالات ذات صلة

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock