في ذكرى النكبة: نكبات من صناعة العرب

بنت الأرض

 

بما أن العرب لا يضعون إستراتيجيات بعيدة المدى ومتوسطة المدى وقصيرة المدى وبما أن معظمهم لا يضعون سيناريوهات مختلفة للحالة الواحدة فليس علينا ونحن نحاول استكشاف مخططاتهم واستقراء مصيرهم إلا أن نحاول إعادة قراءة ما جرى لهم في العقود الأخيرة على الأقل كي نفهم طبيعة ما يغوصون به اليوم والتداخلات المعقّدة للحالة العربية وعلاقاتهم الإقليمية والدولية. وإذا اعتبرنا الحرب العراقية الإيرانية مفصلاً تاريخيّاً هاماً في الجغرافيا السياسيّة فإننا نتذكر وقوف معظم العرب وخاصة دول الخليج مع صدّام حسين في حربه ضدّ الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة والتي أغلقت السفارة الإسرائيليّة بعد انتصار الثورة وافتتحت السفارة الفلسطينية وأعلنت الدعم الكامل للقضيّة الفلسطينية وتحرير القدس الشريف. وحده الرئيس حافظ الأسد وقف ضدّ هذه الحرب ونبّه العرب مراراً وتكراراً أنها حرب استنزاف لهم وللجمهوريّة الإسلاميّة وان إيران جار وصديق وحليف للعرب ويجب التعاون معها وليس محاربتها. ويتذكر حكّام الخليج خصيصاً أن الرئيس حافظ الأسد قد نبّههم أن صدّام حسين حالما ينهي حربه مع إيران سوف يلتفت عليكم ليحاربكم وسوف يستخدم التمويل الضخم والأسلحة الفتاكة التي تزوّد بها ضدّكم. وهذا ما حصل في احتلال صدّام للكويت وتهديده بالاستمرار إلى دول الخليج.
واليوم وبعد عقدين ونيّف من تلك الأحداث الجسام والتي كلّفت العرب تدمير، وربما تقسيم، أهم بلد عربي في موارده البشريّة والماديّة، ألا وهو العراق، لعِبَ هذا الخليج نفسه دوراً تدميرياً لبلدانٍ عربية في إطار ما يسمى «الربيع العربي» والذي هو في الواقع ربيع إسرائيلي. فقد اعترف حمد بن خليفة الذي كان أميراً لقطر أنه دعم «الثوار في ليبيا بالمال والسلاح وحتى المقاتلين من أجل إزاحة القذافي» وأنه سوف يدعم «الثورات» في كل البلدان العربيّة. ولم يعد خافٍياً على أحد دور التمويل والتسليح والدعم السعودي والقطري لكلّ الحركات الإرهابيّة في سورية واليمن ومصر والتي تقتل وتذبح وتدمّر البنى التحتيّة للبلدان العربية. ولكن اليوم قد اتضح وتطور دور دول الخليج لخلق تحالف أسموه «تحالفاً عربياً» يركّز بشكل أساسي على تدمير البنى التحتيّة للدول العربية واستنزاف جيوشها وإنهاكها والعمل على تقسيمها. وها هو يمارس هذا الدور في اليمن وسورية والعراق وبشكل أقلّ في مصر، لكن الهدف نفسه والمسألة مسألة وقت، بعد أن تمّ تدمير ليبيا وتقسيم السودان. وبمراجعة بسيطة للحركة الصهيونية منذ مؤتمر بازل عام 1893 والذي أعلن فيه هرتزل ولادة «إسرائيل» مع أن ولادتها ككيان حدث بعد خمسين عاماً تقريباً، نجد أن هذه الحركات الإرهابيّة تمارس الدور ذاته الذي مارسته حركات الهاغانا والشتيرن والأوراغون الإرهابية من أجل التأسيس لكيان معتدٍ في قلب الأمة العربية.
وبمراجعة بسيطة للجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحقّ الفلسطينيين من مجازر وإرهاب وقتل وتدمير للمقدسات وتهجير للسكان الأصليين وإزالة القرى وهدم الآثار واقتلاع المزروعات نرى أن داعش والنصرة والقاعدة وكل الحركات المرتبطة بهم، والتي تتخذ أسماء مختلفة، ترتكب الجرائم ذاتها في طول العالم العربي وعرضه من الجزائر إلى سورية والعراق واليمن ومصر. أي إن هذه الحركات الإرهابية ولدت من رحم الصهيونيّة فكراً وعقيدة وممارسة وعداء للعرب. وأما التغطية على كل ما يقومون به من جرائم في اليمن وسورية باسم الخوف من إيران أو العداء لإيران فهذه حجج واهية لن تصمد أمام مماحكة التاريخ وتصفياته. إن ما يجري على امتداد الجغرافيا العربية هو إنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي وإنهاء أمة العرب كما كانت وكما نحلم أن تكون. فهل سينتظر العالم حتى عام 3015 كي يدين الجرائم البشعة التي يرتكبونها اليوم في اليمن وسورية والعراق كما انتظروا من عام 1915 حتى 2015 كي يدينوا الجرائم التي ارتكبها العثمانيون بحقّ الأرمن والسريان؟ أم أن العالم العربي الذي صمت عن مجازر دير ياسين وصبرا وشاتيلا سيبقى صامتاً حتى يستكمل أعوان الصهيونية المخططات التي وُضِعت لهم للتنفيذ فوراً؟