مدعي عام إدلب السابق يناشد وزارة العدل التدخل لإنقاذ قضاة إدلب وريفها…65 قاضياً بإدلب يتوزعون على سجون «النصرة» والإقامة الجبرية.. و15 فقط أفلتوا من العصابات

محمد منار حميجو: 

لطالما جسد «قضاة» سورية ما قيل فيهم: أنهم صانعو العدالة لمن يعيش عليها.. ففي هذه الحرب التي شنت على السوريين، رابط قضاتنا على أقواسهم التي تشخص إليها عيون السوريين طلبا لرفع ظلم هنا وآخر هناك تراكم فوق ظلم مرير آخر لم يشهده غيرهم: تشريد واستهداف تشارك فيه دول وعصابات.. وللأسف بعض آخر من جلدتهم.
لم تنته معركتهم هنا، ففي هذه الحرب الدنيئة، لم يسلم القضاة -كما غيرهم- من قتلة يندفعون بغزائزهم الإرهابية.. في إدلب، يمكن للمرء أن يقص حكايا مريرة عما واجهه بعض قضاتنا إبان اجتياح العصابات الإرهابية للمدينة وريفها، ورغم أن مشهد ما واجهوه يشابه مشهديات أخرى رسمها الإرهاب في مناطق أخرى، إلا أنه في إدلب واظب على تظهيرها لغاية في نفسه، لتتكشف الصورة عن أعمال تعذيب مهولة لعدد من القضاة ممن لم تسعفهم الهجمة الشرسة على مدينتهم من مغادرتها.. التعذيب والإهانة ليسا مجانيين كما بتنا نعرف، إذ هما لغة تقليدية تمارسها العصابات الإرهابية التي تنتحل صفة «هيئات شرعية» لدفع كل من لا يقبل الانخراط في مشروعها إلى الانصياع لرغباتها مكرها.
بهذه التوصيفات المريرة، يلخص محامي عام إدلب السابق المستشار إبراهيم يونس قصة قضاة إدلب.
المستشار يونس له قصته التي يرويها لكونه أحد آخر الناجين من قبضة العصابات الإرهابية التي اجتاحت المدينة، وفي لقائه الخاص مع «الوطن» لخص قصته مع زملائه في الساعات القليلة التي فصلت بين خروج 15 منهم سالمين إلى مناطق آمنة، وبين 65 قاضيا من زملائهم وقعوا في أيدي إرهابيين يعلم جميعنا كيف سيدفعونهم بالإرهاب والتهديد إلى فعل ما لم يرتضه القضاة السوريون.
المستشار يونس أكد أن القضاة الناجين تفرقوا تبعا للموقف الطارئ الذي داهمهم في إدلب، فـ7 منهم اليوم وصلوا إلى اللاذقية بينهم القاضي عمر معلم والقاضي زياد حاج صطوف والقاضي عليا دعدوع والمستشارين مفيد وحمادي أسود، فيما وصل إلى دمشق المستشار عمر الشعار، بينما المستشار عمار سيد عيسى هو اليوم في عدلية طرطوس إضافة إلى القاضي رياض حميجو.
وأضاف يونس: هناك ثلاثة قضاة من مدينة إدلب لا نعرف عن مصيرهم شيئاً حتى الآن، وهم: جمال سفلو واسماعيل الأسعد وزياد رجب الذين يخشى على حياتهم… متسائلا عن ماهية «شعارات الإصلاح» التي تم التسلل عبرها إلى حياة السوريين، وما إذا كانت تعني تصفية القضاة أو غيرهم من المهندسين أو المحامين أو الأطباء بحجة أنهم «يعملون لمصلحة الدولة».
وفيما يتعلق بقضاة مدينة جسر الشغور بريف المحافظة، فأشار يونس إلى اعتبارهم مثالا بطوليا إذ بعد رفضهم الانصياع لرغبات المجموعات الإرهابية بالانضمام لما يسمى «هيئاتهم الشرعية» رغم استخدامها لكل وسائل التعذيب والتهديد بتصفية عوائلهم، فتم زجهم جميعاً في سجونها، معتبراً أن هذا الموقف من قضاة جسر الشغور يدل على استعدادهم للاستشهاد على أن يخونوا مهنتهم التي أقسموا عبرها على تطبيق العدالة.
وأضاف يونس: قضاة الجسر كانوا على رأس عملهم أثناء اجتياح المدينة، ما جسد مثالا حيا لزملائهم في مدينة أريحا الذين أصروا بدورهم على البقاء في مجمعها القضائي أثناء تسلل العصابات الإرهابية إليها.
ويؤكد يونس أن ثلاثة قضاة من أريحا هم معتقلون اليوم لدى العصابات الإرهابية التي دخلتها، بينهم: نضال حمادة وحسام شعبان، بينما استطاع قاضيان آخران النجاة من يدها وهما: المستشار مفيد والقاضي حمادي الأسود.
وأوضح يونس أن القضاة الذين نجوا من يد الإرهاب نقلوا ما عاينوه من بشاعة التعذيب الذي مورس بحقهم للضغط عليهم كي يعلنوا أمام وسائل الإعلام عن تبرئهم من دولتهم السورية واتهامها بارتكاب جرائم بحق المدنين، وغير ذلك من الممارسات الاعتيادية لهذه العصابات مع كل مواطن يقع في يدها.
وأكد يونس بأنه حتى هذه اللحظة لم يخضع أي قاض لمطلبهم، مناشداً وزارة العدل بالتدخل لإنقاذ حياتهم المهددة بالخطر، ولاسيما بعدما أثبتوا أنهم على قدر هائل من الالتزام بالحق أمام أنفسهم وأمام وطنهم باعتبارهم جزءاً من المجتمع السوري الذي يحتاج حالياً لكل أبنائه.

«النصرة» تنقل قضاة بإدلب إلى جبل الزاوية
وأكد المستشار يونس أن «جبهة النصرة» نقلت عدداً من قضاة إدلب إلى منطقة جبل الزاوية لضمهم إلى «الهيئات الشرعية»، وهم حالياً تحت الإقامة الجبرية.

خطف متسلسل لقضاة وأبنائهم
وأشار يونس إلى أن محامي عام إدلب تعرض لكل أنواع التهديدات ومنها تهديده بقتل ولده الذي خطفته «جبهة النصرة» قبل اجتياحها للمدينة في حال لم يسلم نفسه لهم، إلا أنه رفض ذلك ما دفع التنظيم الإرهابي بتعزيز توعدها له بقتل جميع أفراد أسرته، مضيفاً: إنه على الرغم من هذا التهديد والوعيد إلا أنه أصر على موقفه إلى أن وقع أسيرًا بيدها، وهو حالياً في مدينة المعرة بريف مدينة إدلب تحت الإقامة الجبرية.
وبين يونس أن الضغط على القضاة يترافق مع تقديم إغراءات مالية من قبل «جبهة النصرة»، في الوقت الذي لم تصرف فيه وزارة العدل أي راتب لأي قاض ممن لا زالوا في مدنهم منذ شهرين، إلا أن ذلك لم يثن عزيمتهم وتمسكهم بالدولة باعتبارها الممثل الحقيقي لتطلعاتهم، وأن نهج تلك العصابات هو التقسيم والهمجية، ولاسيما أنها تلخص مشروعها بتدمير جميع مؤسسات الدولة وبناها التحتية بما يتعاكس مع بناء دولة عصرية.

همجية فريدة
ولفت يونس أن ما فعلته «جبهة النصرة» في إدلب لم يحدث في تاريخ البشرية، وخاصة عند انسحاب المدنيين من المدينة إلى بلدة المسطومة ومدينة وأريحا، إذ ارتكبت في تلك الساعات القليلة مجزرة مرعبة طالت المدنيين في مشهد وصفه: «يهول يوم القيامة».
وروى المستشار يونس بعض المواقف البطولية التي لم يبخل بها لبعض القضاة ممن أصروا على المشاركة في إنقاذ المدنيين، ومنها قصة لأحدهم حينما أراد الخروج بسيارته مصطحباً معه أسرته وبعض الأمتعة الأساسية، فقرر الاستغناء عن كل شيء لينقذ جيرانه قائلا مسابقا اللحظات التي تفصل وصول فلول الإرهابيين إلى حيه، وهو يقول: «يا ليت سيارتي تتسع لكل سكان إدلب»، معتبراً أنه من الشيء الطبيعي أن يخرج هذا الموقف من هذا القاضي.
ولعل البطولة الحقيقية التي سطرها قضاة إدلب بحسب قول يونس إنه يكفينا فخراً أنه لم ينضم أي قاض من محافظة إدلب إلى الهيئات الشرعية التابعة للعصابات الإرهابية رغم استخدامها كل وسائل التعذيب لإرضاخهم.

محامي عام حلب: استهداف القضاة لما يمثلونه
المحامي العام بحلب إبراهيم هلال كشف لـ«الوطن» عن أن عدلية حلب استقبلت قاضيا واحدا من محافظة إدلب، وهو حالياً يمارس عمله بشكل طبيعي، مشيراً إلى أن استهداف القضاة يدل بشكل واضح على مدى همجية هذه العصابات.
ورأى هلال أنه من الطبيعي أن تستهدف العصابات الإرهابية القضاة لأنهم يعتبرون جزءاً مهما في حماية المجتمع وبنيان الدولة وهذا يدل على أنهم لا يريدون مجتمعا سليما بل مفككا تنشر فيه الجريمة بكل أنواعها.
من جهته أشار المحامي العام الأول بدمشق أحمد البكري إلى أن العصابات الإرهابية تستهدف كل شرائح المجتمع ولاسيما الشرائح التي تلعب دوراً بارزاً في استقراره، مؤكداً أن عدلية دمشق لم تستقبل أي قاض من إدلب إلى الآن.