كل سنة والحبايب سالمة.. مناسبة وحوادث للشعور بالآخر

| منير الكيال

يحدوني الأمل، وقد حل شهر رمضان المبارك، أن أستسمح من القارئ للوقوف بعض الشيء مع ما كان عليه جيلنا نحن أبناء العقد الثالث من القرن المنصرم (العشرين) بشهر رمضان، من علاقات، وما عايشوه من أحداث ومواقف إزاء ما يواجههم من أعباء الحياة حلوها ومرها. والدافع لذلك ما يشعر به جيلنا من حنين إلى تلك الأيام من شهر رمضان المبارك.

دفعه للشعور بالآخرين
ومما أذكره في هذا الشأن من أمور وأحداث يشدني الحنين إليها، ما رواه لي الدكتور شكيب الجابري رحمه اللـه، من أن الرئيس شكري القوتلي لما تعطلت سيارته، وهو في طريقه إلى موقع الشيخ أرسلان الدمشقي صباح ذات يوم، وأنجد الجابري القوتلي بسيارته وذهب به إلى محلة الشيخ أرسلان لتفقد العاملين بإنشاء حاجز أو جدار يفصل المقبرة التي في ذلك المكان عن الطريق العام. لأن ذلك الحاجز كان على نفقة الرئيس القوتلي، يومها لفت نظر القوتلي العمال وهم يتناولون طعام إفطارهم قبيل بدء العمل، وكيف أن هذا فرد أمامه صرة طعامه وقد حوت بضع حبات من الزيتون وآخر رغيفه مع قطعة من الجبن وخيارة وذلك وقد جعل طعامه الذي كان من بيضة مسلوقة لفها مع رغيف معه وشرع يتناولها بنفس هنية ومتعة.
حدثت القوتلي نفسه، إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلى المرضى. فنذر القوتلي لئن عافاه الله مما كان به من المرض، ليولم لأمثال هؤلاء في رمضان إفطاراً شكراً لله. إيماناً منه بأن الإنسان مهما كان عليه من عزٍّ ورفاه، لا يعدل ذلك السعادة والهناء الذي كان عليه أولئك العمال، وقد استجاب الله للقوتلي وعافاه. وأصبح القوتلي يولم كل عام للفقراء مائدة إفطار بشهر رمضان المبارك بالتكية السليمانية، وأصبح ذلك عادة أو سنّة متبعة يقوم بها الموسورون وأمثالهم في شهر رمضان فترة طويلة من الزمن.

ما يزال في بحبوحة
حكاية أخرى أجدني شديد الرغبة لروايتها للقارئ لكنها هذه المرة عن حسين بك الإيبش الذي كان يمتلك أراضي شاسعة في الغوطة الشرقية في ما يعرف بالهيجانة وما حولها. وقد شمل هذه الأراضي قانون الإصلاح الزراعي. فشكا الإيبش ذلك للقوتلي الذي كان يلقب باسم المواطن العربي الأول. وهذا اللقب أطلقه عليه الرئيس عبد الناصر، زمن الوحدة بين مصر وسورية، لتخلي القوتلي عن منصب رئاسة الجمهورية السورية لعبد الناصر، حبّاً من القوتلي بالوحدة مع مصر. فلما شكا الإيبش للقوتلي ما كان من أمر مصادرة جانب من أراضيه بالغوطة، نصحه القوتلي بنقل ذلك للرئيس عبد الناصر، وهكذا استضاف عبد الناصر حسين الإيبش، وعند تناول الإيبش الإفطار صباح اليوم التالي مع عبد الناصر، وكان هذا الإفطار عادياً ومن حواضر البيت، حدثت الإيبش نفسه بأنه ما زال يعيش بخير وبحبوحة، ولما سأل عبد الناصر الإيبش عن حاجته، أجاب الإيبش بالشكر والحمد لله.. وعاد الإيبش إلى دمشق مسروراً قانعاً شاكراً لله على نعمائه، وفي شهر رمضان المبارك كانت مدينة دمشق حالة تذوب بها الأنانية وتسود أحوال الشكر لله على نعمائه وعطائه. كان الناس على نحو فريد من البرّ والتعاطف والتواد، ما يجعل لهذا الشهر مكانة إنسانية أثيرة إلى الجميع فضلاً عما لهذا الشهر من مكانة روحية. ذلك أن الواحد من الناس لا يهنأ له عيش إذا جلس إلى مائدة إفطاره، وجاره قد لا يجد ما يقيم أوده، فكانت عادة التساكب بين الجيران، فتتكون مائدة كل منهم بأشكال وألوان لم تكن بالبال، ومن ذلك ما كانت عليه أسرتي يوم كنا نسكن بحارة الجامع بكيوان، حيث يقوم الآن فندق شيراتون عند بداية هذه الحارة، وكان جيراننا مغاربة وهم أسرة الحاج رابح الجزائري، وهذه الأسرة منغلقة على نفسها، فكانت جدتي تتساكب مع هذه الأسرة عبر طاقة ساقية تسيل عبرها المياه من نهر بانياس إلى نهر بردى. وكان من أطرف ما يراودني ويخامرني ما كان عليه الناس من أحوال البر والتعاطف والتواد والتراحم بهذا الشهر. كان الجوار الذين تربطهم علاقة نسب أو قرابة، إذا أرادوا الإفطار سوية ولم يكن لدى أحد مكان يتسع الجميع.. فإن طعام إفطارهم يكون على السطح، فيجلب كل واحد أو أسرة ما تيسر، فتكون المائدة عامرة بما لذ وطاب ويسيل له اللعاب فيتحلقون حول المائدة بشهية ولا ناقد أو منقود.

سوق البزورية والأرزاق
ولعل المرء لا ينسى ما كانت عليه الأسواق وبخاصة سوق البزورية لتوفير ما يلزم الأسرة من تموين لهذا الشهر، والأسواق الأخرى بأحياء مدينة دمشق وخاصة سوق باب السريجة، وما كان عليه الباعة في تلبية للمشترين، وما يرافق من سماحة عن نفس هنية رضية، ومن الصور التي عشناها في شهر رمضان المبارك نداء الباعة على أرزاقهم، وأذكر على سبيل المثال أن بائع الخبز بالفرن الذي يقدم أشهى ما يلذ للمرء من أنواع الخبز المشروح والمنقوش والمزين بحبة البركة والسمسم. وكذلك الخبز المعروك بالحليب والزبيب (القشلميش) وهو ينادي:
صايم..
الله وليك ومحمد نبيك صايم:
هذا هدية للصايمين..
كل سنة والحبايب سالمة
وبائع الجرادق، وقد اتخذ مكانه بزاوية أو جانب من السوق وهو ينادي على أرغفة الجرادق بقوله:
يللي الهوى رماك
رماك وكسر عظامك ناعم
لا تروح عالبيت فاضي
وينك يا راعي الطيب
وبائع العرقسوس، ذلك المشروب الشعبي، كان هذا البائع لا يني يشرع هذا الشراب ويزيد من نكهته بالتعطيرة الخاصة، بانتظار محبي هذا الشراب عند الإفطار ولعلي لا أنسى ما كانت عليه حلويات هذا الشهر، وأخص منها المحلي المعروف يالنهش بالقشدة. وهو محلي الميسورين وكذلك محلي السنبوسك الذي يتناوله الدراويش.. وكذلك الأمر ما كانت عليه الكنافة المدلوقة بالقشدة إلى جانب حلويات شهر رجب وشعبان من أنواع الغريبة والبرازق.
أما باعة الفول المدمس والمسبحة (الحمص المسلوق والمدقوق بالحامض والطحينة) فحدث ولا حرج ذلك أنك كنت لا تكاد ترى مائدة رمضانية دمشقية تخلو من الفول المدمس بالحامض والبندورة المفرومة والبقدونس الناعم، كنت ترى الزبائن يقفون بالدور عند الحمصاني لشراء مبتغاهم من الفول المدمس والمسبحة.
فإذا حان الإفطار، كنت ترى الشوارع والحارات والأزقة خالية من الناس، كأنما هي في حالة من منع التجول.