سورية– تركيا .. ماذا يحدث؟

| د. مهدي دخل الله 

التطورات السياسية حول سورية، محلياً وإقليمياً ودولياً، تبدو لوحة سريالية تتداخل خطوطها وتتشابك أشكالها وتحتاج– في أغلب الأحيان– إلى قاموس لحل طلاسمها.
لكنني أوافق على قاعدة حياتية أثبتتها التجربة تقول: إن أعقد الأمور أبسطها… وحتى عند أكثر اللوحات سريالية لابد من البدء بالخطوط الرئيسية فيها لفك شيفراتها وحل ألغازها. عندها يتحول كل ما هو فوق الواقع– أي سريالي– إلى واقع واضح.
الخط الرئيسي الأول التفاوض كضرورة: تركيا دولة معتدية ومحتلة وسارقة لثروات حلب وداعمة للإرهابيين بشكل كامل، لكن هل هذا يمنع من التفاوض معها؟.. لقد فاوضنا (إسرائيل) سنوات طويلة فلماذا لا نفاوض تركيا؟ فاوضنا (إسرائيل) تحت وساطة دولة عظمى (أميركا) حليفة لأعدائنا، فلماذا لا نفاوض تركيا عبر دولة عظمى (روسيا) حليفة لنا؟ فاوضنا الكيان الصهيوني وهو كيان عدو بكل تفاصيله ومكوناته فلماذا لا نفاوض تركيا وفيها شعب تربطنا به وشائج كثيرة على الرغم من عداء حكومته؟
الخط الرئيسي الثاني خصائص الموقع التفاوضي: الموقع التفاوضي لسورية اليوم أفضل– نسبياً– من الموقع التفاوضي لتركيا. التوازن العسكري على الأرض– بعد حلب– أفضل لمصلحة سورية. إضافة إلى ذلك، معنويات الدولة السورية قوية بسبب صمودها وتصديها لست سنوات على حين معنويات الدولة التركية أصابتها نكسة واضحة بسبب تراكم أزماتها الداخلية. تركيا اليوم لم تعد تركيا 2012… إنها أسوأ حالاً، وسورية اليوم لم تعد سورية 2012… إنها أفضل حالاً.
بالمقابل هناك «ميزات تفاوضية» لتركيا في أنها تحتل جزءاً من سورية وتدعم المرتزقة على الأرض السورية، وهذا ما لا تملكه سورية على الأراضي التركية. لكن يمكن تحويل الميزة النسبية هذه إلى سلبية إذا أحسنا إدارة المفاوضات. إذ إن ما تقوم به تركيا مناف للقانون الدولي وإنها المعتدي وسورية هي الضحية. إن استخدام «سلاح» القانون الدولي مهم إذا توافر شرطان: أن تكون قوياً على الأرض أو أن يكون عدوك في أزمة بنيوية بسبب عدوانه عليك. أما الشرط الثالث– وهو الأهم– أن تحسن استخدام هذا الوضع لمصلحتك وإلا انقلب عليك لأن «الواقع» له حضور يوازي حضور «القانون» إن لم يكن أهم.
الخط الرئيسي الثالث وجود الحليف على الأرض: هذا يعني وجود روسيا وإيران «داخل» الحالة السورية حيث لا يقتصر دورهما على الدعم «من الخارج» فحسب. وهنا أيضاً توجد فرصة كما توجد مخاطر. الفرصة هي إمكانية الاستفادة القصوى من «حضور» الحليفين المذكورين، لكن المخاطر تنبع من إمكانية ضغطهما عليك لقبول حلول معينة. هنا أيضاً يتطلب الأمر براعة في التعامل مع الحليف كالبراعة في التفاوض مع العدو. أعتقد أنه علينا هنا تحديد خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، وضرورة الاتفاق عليها مع الحليف مسبقاً.
الخط الرئيسي الرابع العلاقة الجيدة بين الحليف والخصم: علاقتنا مع الخصم الداعم للإرهاب (تركيا) سيئة، لكن العلاقة بين حليفينا وتركيا جيدة وهي في تحسن مستمر. هنا أيضاً توجد فرصة وتوجد مخاطر. الفرصة تتلخص في تمكن الحليفين من الضغط على الخصم، أما المخاطر فهي في إمكانية عقد صفقة مع الخصم قد تضرنا. هنا تبدو الثقة بالحليفين بحاجة لتفحص دائم وإعادة تأكيد، وخاصة إذا كانت هناك مصالح قوية بينهما مع تركيا.

mahdidakhlala@gmail. com