كي نرى النور

| د. اسكندر لوقا

يندرج الوضوح في حياة المرء ضمن معطيات تتعلق بالسلوك لا عد لها ولا حصر. من هنا القول إن يكون المرء صريحاً وواضحاً في كل عمل يؤديه أو قول يردده. وبعمله هذا يسهل خروجه من أي نفق يداهمه في وضح النهار حيث لا حاجة حينئذ لمصباح يضيء الدرب أمامه.
إن الوضوح في العمل والقول، كمظهر الوجه من دون أصبغة، وبذلك لا يحتاج المرء إلى منظار مكبر أو إلى وقفة تخمين بحثاً عن الشكل الحقيقي لقسمات هذا الوجه أو ذاك.
في الزمن الراهن، كما يلاحظ، أمثلة عديدة عن تشويه ليس الوجوه فقط، بل حتى أعضاء أخرى في الجسد وصولاً إلى هدف. ولكن بضياع المعالم الحقيقية لصورة الإنسان يكون المرء كمن يتعامل مع ما يشبه الإنسان لا الإنسان كما نعرفه، وبتعبير آخر يكون كداخل نفق ولكن في عتمة الليل حيث لا يرى نوراً حتى في نهايته.
في الزمن الراهن، كما نلاحظ، لم تعد صورة التاجر أو المعلم أو البائع أو السائق وسوى ذلك، كما كانت قبل الأزمة التي نعيشها في هذه الأيام، وبعد مرور ما يقارب ست سنوات من الحرب العالمية المشنّة على سورية، وفي سياق الحاجة، ربما، كان هذا التحول في أنماط السلوك البشري في المجتمع، فأصبحت «الشطارة» ومعرفة «من أين تؤكل الكتف» واستغلال الفرص لتحقيق هدف مبيت، كل ذلك التحول من تداعيات انتشار الفساد في معظم الأروقة، رسمية كانت أم غير رسمية، في السوق كما في المكتب، في الشارع كما في الحديقة وسوى ذلك، ومن هنا يبدأ السقوط بل بدأ السقوط في تجربة التعايش مع الواقع بأمانة وبشرف.
في العادة، عندما يصاب بلد من البلدان، بكارثة إنسانية، على غرار ما يحدث في سياق الحرب، في العادة يتكاتف الناس ويتعاونون على تخطي تبعات حدث لم يكن مرتقباً إلى حين وقوعه، وقبل الإعداد له، وليس كما هي الحال في الزمن الراهن حيث يزداد إغراق الناس في نفق لا أمل من الخروج منه بسهولة وفي وقت قصير.
إن إمعان البعض من الناس في مضاعفة حجم المأساة التي يعاني منها شعبنا، كمن يدفع من حوله إلى تذوق المزيد من الألم. وفي اعتقادنا أن لا أمل من تخطي هذه الحالة من دون أن نتفهم جيداً تحذيراً لشاعر الصوفية الفيلسوف محمد إقبال (1877- 1938) وفيه قوله: إذا أردت أن ترى النور فلا تبن جداراً أمام الشمس.
وبلادنا، كما نعلم، تنعم بشمس تشيع الدفء في الجسم حتى في أوقات الشتاء القارص، فلِمَ نبنِ الجدران أمامها؟