الرئيسية | ثقافة وفن | العناية به أكاديمياً وإعلامياً .. لا وجود لفهم حقيقي للتراث الشعبي وحدوده ومفهوماته وتعريفاته!

العناية به أكاديمياً وإعلامياً .. لا وجود لفهم حقيقي للتراث الشعبي وحدوده ومفهوماته وتعريفاته!

| إسماعيل مروة

وقع ظلم كبير على التراث الشعبي، وهذا الظلم له سببان:
1- الأول وهو الأهم عدم الوعي بأهمية التراث الشعبي، وعدم تحديد حدوده وآفاقه.
2- النظرة العدائية التي قوبل بها من جمهرة التراثيين الذين دمجوا في فهم التراث الشعبي ما اختلط من آراء تتعلق بالعامية والأسطرة ومخالفة الفصحى لغة القرآن الكريم، والخطر القادم على الفصيحة من التراث الشعبي الذي رأوه متواضعاً ومرذولاً ومنحولاً وعامياً.
وهذان السببان فيهما من الوجاهة الشيء الكثير، فالأول لا يزال حاضراً إلى اليوم، وهو المتعلق بحدود التراث الشعبي وتعريفاته ومفهوماته، ولو سألنا متخصصين في التراث عن هذه الحدود، فإنهم سيختلفون حتماً، ولن يملكوا اتفاقاً، فكل واحد يقرّب الحدود من تخصصه، وخاصة أن المؤسسات الأكاديمية العربية لم تولٍ هذا الجانب اهتمامها، ولم تقدمه كما يجب، وبقي موزعاً بين كليات عديدة وتخصصات متنافرة في بعض الأحيان.
أما الثاني فقد قصر التراثيون حدود التراث الشعبي على جملة من فنون القول، مثل الشعر الشعبي والشعر العامي والأزجال والعتابا وما شابه ورأوا أن العناية بهذا الجانب تشكل خطراً على الفصيحة وتقترب من الدعوات الاستشراقية من نلينو إلى جولدزهر التي حاولت الاهتمام بالعاميات لتعميمها محل الفصيحة، باءت تلك المحاولات بالإخفاق لأسباب عقيدية أحياناً، ولأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية في كثير من الأحيان.
السببان فيهما ما يسوّغهما، ولكنهما في المحصلة أوقفا العناية بالتراث الشعبي، وجعلاه اختصاصاً تابعاً، ومن درجة أقل من الأكاديمية، وربما كان لإحداث ماجستير التراث الشعبي في جامعة دمشق- كلية الآداب- قسم علم الاجتماع الدور المميز في محاولة جلاء صورة الأدب الشعبي وأهميته، وأذكر أن التواصل مع الإعلام كان مهماً للغاية في تحضير العناية بالتراث الشعبي ومكوناته، بل مع دراسته وبيان قيمته الحقيقية، فهل يشكل التواصل الإعلامي بين ماجستير التراث والإعلام جسراً أولياً للوعي بالتراث الشعبي وأهميته؟! وماذا عن دور الإعلام؟
الإعلام والتراث الشعبي

يخطئ من يظن أن إعلامنا السوري أهمل التراث الشعبي، بل إن جلّ إعلامنا يركز على التراث الشعبي، ولكنه لم يترك الأثر اللازم، وسأعرض لكثير من البرامج الإعلامية التي تهتم بالتراث، سواء في الإعلام المسموع أم المرئي أو المكتوب:
– هناك عدد من البرامج التي حملت عناوين مختلفة (حرفيون، صناعتنا، الحرف التقليدية، الحرف التراثية) وجميع هذه البرامج تهتم بالتراث الشعبي اليدوي، هذا علاوة عن الفقرات التي تزج في البرامج المنوعة التي تعرض لصناعات وأطعمة وغير ذلك، إضافة إلى برامج تصور في قاعات تراثية ومفروشاتها تراثية.
– هناك عدد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية، حتى الموجهة سياسياً تعتني بالتراث الشعبي ولا يزال حاضراً في الذهن سهرة العسكر مع محسن سلطان في صوت القوات المسلحة، وما يعرضه من فنون الغناء الشعبي المواويل والعتابا والإبراهيمي والسبعاوي، والأغنيات المحلية.
– هناك عدد من البرامج التلفزيونية التي تعنى بالتراث الشعبي والأزياء، وقد قدم رامز محيثاوي برنامجاً غنياً عن التراث واللباس الشعبي في عدد من المحافظات السورية، إضافة إلى أنه في المناسبات الرسمية يتم نقل مباشر أو مسجل لاحتفالات تنقل الأزياء والتراث.
– عدد من البرامج الموجهة ركزت على منطقة الجولان وما تتعرض له بسبب الاحتلال الصهيوني، وتم رصدها وتسجيلها، فقدمت التراث الشعبي والأعراس والاحتفالات والأزياء والأغنيات، فرسخت الارتباط بالأرض وسجلت التراث الشعبي.
– هناك عدد من الأعمال الدرامية والسينمائية- وهي جزء فاعل ومؤثر من الإعلام- تعتني بالبيئة المحلية في المحافظات والمدن والمناطق، وقد أسهمت هذه الأعمال في زيادة الوعي بالعادات والتقاليد وما في البيئة التراثية من مكونات، ولكن المبالغات في كثير من هذه الأعمال أدت دوراً سلبياً أحياناً، وأساءت إلى التراث فحولته إلى صورة كاريكاتورية مضحكة.
– هناك فعاليات إعلامية وإعلانية أقيمت بالتعاون بين عدد من الوزارات منها وزارة الإعلام، وزارة الثقافة، وزارة السياحة اعتنت بتقديم إعلانات وبوسترات وندوات حول التراث الشعبي وأهميته وقيمته، وقد أدت دوراً مهماً لم يتم استغلاله في الترويج والتسويق.
إذاً: إعلامنا السوري قدم التراث الشعبي، بل بالغ في تقديمه، فلِمَ لم يترك أثراً كما يجب؟
أولاً: لا تخطيط برامجياً يحدد التراث الشعبي والمراد منه.
ثانياً: لم توكل البرامج إلى متخصصين يقدمون التراث على أنه هوية.
ثالثاً: أغلب هذه البرامج تتم بالاتفاق بين وزارة الإعلام وجهات أخرى تفرض رأيها ورؤيتها لنوعيتها وغايتها.
رابعاً: النسبة الغالبة من البرامج تقدم اعتباطاً ولملء الفراغ فلا تجد الصدى.
خامساً: تعامل هذه البرامج على أنها برامج ثانوية، وفيها عبء على الإعلام فلا تعطى ما تستحقه من عناية فكرية وتقنية.
سادساً: يغيب عنها الفهم الحقيقي للتراث الشعبي وأنواعه وتصنيفاته.
سابعاً: تفتقر كل البرامج والمسلسلات إلى الموثق الذي يدرك أهمية التراث الشعبي.
والمطلوب أن تتم العناية بالتراث الشعبي عناية علمية مدروسة من منطلقاتها إلى غاياتها، وأن يتم وضع حدود للتراث الشعبي، والتفريق بين كل نوع من الأنواع في هذا التراث لوضع منهج يجعل التراث الشعبي في مكانته اللائقة لما يمثله من شخصية وهوية.