إعادة تشكيل المشهد العالمي في عام 2017

| د. قحطان السيوفي 

يُعتبر عام 2016 مخيباً لآمال توقعات أغلب المتابعين؛ حيث فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية في أميركا وقبلها صوتت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي وهذه المفاجآت وحدها كفيلة بإعادة تشكيل مشهد الاقتصاد السياسي العالمي في عام 2017 ما يضع العالم أمام تحديات ومتغيرات كبيرة.
ففي أوروبا بدأ عام 2017 بمزاج عام وشعور متزايد من عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، فالأسواق العالمية قد تغرق في فترة من الاضطراب متأثرة بالأحداث الكبرى المنتظرة، بما في ذلك الانتخابات في عدد من الدول الأوروبية، وأزمة يورو محتملة جديدة، وتحولات جذرية في واشنطن تحت قيادة ترامب الانتخابات في هولندا، وفرنسا، وألمانيا، وربما حتى إيطاليا – إلى جانب تصاعد الموجة الشعوبية، وخطر الإرهاب الذي يهدد أوروبا. ذلك وغيره يؤدي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الأوروبي.
الرئيس الأميركي المنتخب يبُشر بهزة عنيفة، مُشككاً في دور الولايات المتحدة بحلف «الناتو» وفتح الطريق لمزيد من التعاون مع روسيا. ويقول محللون «إن ألمانيا وأوروبا قد لا تكونان سعيدتين جداً من ارتياح ترامب للسياسة الاقتصادية الصينية، إذ هما، إلى حد ما، متشابهتان مع هواجسهما الخاصة عن ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ويبدو واضحاً أن رئيس الولايات المتحدة ترامب يملك رؤية واضحة للطريق حول تنفيذ برنامجه الاقتصادي: فمع احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية في مجلسي الكونغرس، يبدو من المرجح أن يستفيد من كسر الجمود السياسي الذي أصاب الكونغرس بالشلل على مدى السنوات الست الماضية. وسيعطي الكثير من الاهتمام لنمو الاقتصاد الأميركي.
في ظل افتراض مفاده أن إدارة ترامب المقبلة ستمتنع في نهاية المطاف عن إشعال شرارة حرب تجارية، انتقل المحللون إلى تقييم آفاق متفائلة لنمو حقيقي أعلى، ويرى المراقبون أن رؤية ترامب قد تشبه نسبيا ما اعتمده الرئيس الأميركي السابق رونالد ريجان وهنا يأتي دور بقية العالم. ذلك أن اقتصادات رئيسة أخرى- على وجه التحديد في أوروبا وآسيا- ربما تواجه مصاعب أكبر كثيراً من تلك التي تواجهها الولايات المتحدة في إعادة التوازن إلى سياساتها. وستؤدي موجة من تدفقات رأس المال إلى الولايات المتحدة إلى دفع قيمة الدولار إلى الارتفاع؛ ما قد يدفع إدارة ترامب إلى فرض تدابير الحمائية، وربما يتسبب هذا في استفزاز ردود انتقامية من الشركاء التجاريين وخاصة الصين وألمانيا، واليابان ما يشجع هؤلاء على إجراء تعديلات سياسية داعمة لنمو اقتصاداتها. وقد يعمل الفريق الاقتصادي لترامب المعين حديثا على تأسيس اتصال مباشر مع هذه الدول، على أن يضع في الحسبان تحسين عملية تنسيق السياسات الدولية، وقد تبادر إدارة ترامب، تحت الضغوط السياسية، لتجنب سيناريو اتخاذ تدابير الحماية، وتعظيم خطر اندلاع حرب تجارية تلحق الأذى بالجميع.
التزايد الهائل في معاداة العولمة سيكون مؤثراً في جانبي المحيط الأطلسي، وينتج عنه آثار مختلفة في الولايات المتحدة، وسَتحدث الاضطرابات السياسية بمقاييس اقتصادية، والحال أسوأ في أوروبا. هناك توقعات تقول إن الاقتصادات الناشئة، ستستمر في النمو بشكل أسرع من الاقتصادات المتقدمة.
في الشرق الأوسط؛ التوترات آخذة في التصاعد وسيتراجع دور الدول الإقليمية الحليفة لواشنطن والداعمة والممولة للإرهاب وما استدارة نظام أردوغان إلا بداية لتحولات مهمة في الشرق الأوسط؛ وخاصة في سورية وسيكون أردوغان أكبر الخاسرين في الصراع الإقليمي، في الوقت الذي تلامس فيه الحرائق قصره في مشهد يجعله مرغماً على فتح ذراعيه لخصوم الأمس… وستستمر نجاحات الدولة السورية وحلفائها في محاربة الإرهاب وكان آخرها استعادة مدينة حلب، وقد تكون الأولوية في عام 2017 لإحلال السلام في سورية.
مع مواجهتها لصعود الصين، وديناميكية الهند، وارتفاع عدد السكان والتحركات الاقتصادية في إفريقيا، ورفض روسيا الخضوع لإرادتها، وعدم قدرتها على السيطرة على الأحداث في الشرق الأوسط، ذلك يشير إلى أن هيمنة الولايات المتحدة تتراجع. وتحيط الشكوك بآفاق عام 2017 وهو غير 2016 لأن هذا الأخير كان نهاية حقبة جيوسياسية كاملة… وسيؤكد عام 2017 نهاية الهيمنة الأميركية على العالم وسيفتح أبوابه على مصاريعها للقطبية الثنائية.