الرئيسية | اقتصاد | صناعيونا «المصريون»

صناعيونا «المصريون»

| علي هاشم

جملة من الأخطاء واظب صناعيونا اللاجئون في مصر على ارتكابها قبل وأثناء زيارتهم الأخيرة إلى سورية.. ففي الشكل، ثمة روحية مغالية في تقدير الذات سكنت صدورهم، منحوها أكثر مما تستحق، فسوّلت لهم المساومة عليها كسلعة يمكن بيعها لإعلاننا الحكومي المتكرر حول أولوية استعادة رجال الأعمال الفارّين من أتون الحرب الوهابية على سورية.
وفي المضمون، أخطأ صناعيونا «المصريون» هؤلاء ساعة تأخروا بالعودة إلى بلدهم «الأصلي» لما بعد تحرير حلب، كما أخطؤوا بعد تحريرها حين أعلنوا عن «ضبّ الشناتي» مشترطين للعودة «موافقة الحكومة على مطالبهم»!.. قبل أن يلحقوا ذلك بثالثة الأَثافي خلال زيارتهم الأخيرة محاولين بيع الماء في «حارة وزير المالية» عارضين تنظيم زيارة «لرجال أعمال مصريين لمناقشة إعادة الإعمار والإنتاج الصناعي» والتوسط لدى «المصريين لإعطاء استثناءات مهمة للمنتج السوري»!.. مقابل الاستجابة لإشاراتهم المواربة حول محو ضرائبهم الكبيرة التي ناهزت الحرب عمراً، ومعها قروض وازنة لم يدفعها بعضهم، يحدوهم الأمل -على ما يبدو- بأن تكون تلك الحرب كفلت نسيانها؟!.
من حيث انتهينا، فما دام صناعيونا يرون بأنفسهم قدرة على دفع مصر لمنح استثناءات لمنتجاتنا، ففي الواقع، نحن اليوم نتطلّع إلى رفع التمثيل الدبلوماسي، وهذا -لربما- قد يكون «جَزَرة» مناسبة راهنا للموافقة على مطالبهم، لا تلك الاستثناءات التي أعرب وزير المالية عن تقديره لها، لكن مع التأكيد أن الضرائب والقروض، يجب أن تُدفع في النهاية.
الخطأ الآخر ذو العلاقة بتقديرهم المتعاظم لذاتهم ومحورية عودتها لإنقاذنا، فلربما غاب عن صناعيينا المصريين -النساجين في معظمهم- أن بقاء وتائر الإنتاج عند حدودها الحالية -بغض النظر عن صوابيتها- هو سياسة حكومية تفرضها توقعات التضخم وتنشيط الاستهلاك، وهي لذلك، لن تقدم لهم ما لم تقدمه لمن صمدوا في منشآتهم كتفا إلى كتف مع الجيش في جبهاته، وخاصة لجهة تلبية احتياجاتهم من المواد الأولية النسيجية المستوردة بعد شح مصادرها المحلية.. وفي هذا السياق، يشعر المرء برغبة ملحة في مساءلة وزير الاقتصاد الذي يلعب دور عنق الزجاجة في وفرة مدخلات الإنتاج الوطني، حول مغزى تفاؤله بزيارة صناعيينا المصريين وهل كان مستعدا لمنحهم ما لم يمنحه لصناع المعجزة الوطنية التي سيقصّها التاريخ بعد تحولهم الإنتاجي المرن من المعامل المدمرة إلى الورش الصغيرة في المدن والأحياء، ومن انسداد منافذ التصدير إلى الانتصار الكبير في «سيريا مود» و«خان الحرير»؟!.
في الواقع، فالمعضلة الحكومية هذه ذات بعد أخلاقي، إذ إن عودة من لم يطلهم التدمير الإرهابي الممنهج بكامل قوتهم وما اقتنصوه من أموال وطنية شغلوها وتربّحوا منها يوم كانت تختزن قيمتها الشرائية الكبيرة، إنما تؤسس لإخلال بالعدالة التنافسية تجاه الصناعيين الوطنيين ممن يحملون «وسام التضرر» على صدورهم، وهنا تكمن عقدة وطنية لا تتيح لك بيع نخبتك الوطنية المتجذرة، مقابل وعود يلقيها محترفو الترحال.
في الملخص، فما سبق سيفرض على الحكومة الكيل بمكيالين لدى تناول الصناعيين الصامدين بما يكفل إطلاق منشآتهم القائمة وتلك التي يمكن استعادتها إلى أقصى ذروتها الإنتاجية والتشغيلية، وإلى ذلك الحين، يجب على صناعيينا اللاجئين كبح روحية المساومة التي تعتملهم، والتيقن من أن الطريق الوحيد لكسب قلوب مواطنيهم يمر بدفع أموالهم حتى آخر قرش، وقد يكون العدل دفعها بقيمتها السابقة وليس عقب تراجعها عشرات المرات.