الرئيسية | ثقافة وفن | خلال الحرب وما بعدها «زيتون»

خلال الحرب وما بعدها «زيتون»

| أحمد السح

يقدم المخرج السوري مأمون الخطيب عرضه الثالث خلال الحرب، بعنوان «زيتون» بعد عرضي «نبض وهدنة» ولربما لو أردت أن أسأله سؤالاً لسألته عن العناوين وسببية كونها تأتي مفردة ونكرة وتعتمد الدلالات الموحية على الرغم من بساطتها!. والمخرج مأمون الخطيب في سيره على الحالي لتقديم العروض المسرحية يتكئ على شجاعته، شأنه بذلك شأن أي سوري قدم عملاً فنياً خلال سنوات الحرب. فهو حكماً سيكون عرضةً للتحليل اعتماداً على عقول المحللين والنقاد الباردة بعد الحرب، وبالتالي قد يتم تأويل الأحداث والأعمال وإبقاؤها أو إزالتها كما ستزول أشياء كثيرة بعد الحرب، ولكنه وفقاً لتفكيره يجد أن تقديم العمل بسخونته ونبضه وإيقاعه سيجعله متماهياً مع الحدث ومع أبناء الحياة لأنه يجد أن أعظم الأعمال الفنية تم تقديمها في سنوات الحرب، وأن أهم الإبداعات نشأت من التصاقها بالواقع ومن المعاناة وتواتراتها على النفس البشرية. فهي ستكون نظيفة من التنظير الأكاديمي المعتمد على نتائج جاهزة.
يبدو هذا العرض من خلال متابعة الآراء النقدية المتخصصة ومن متابعة الجمهور بعد العرض أنه لم يحصد رأياً واحداً يجمع الجميع عليه، فالكل يجد نفسه أمام عمل لم يتخذ موقفاً يستطيع أن يتصيد منه الخطأ وبالمقابل يصعب على الجميع اعتبار العمل بعيداً عنهم وأنه لم يمسهم في بنات أفكارهم. وفي الوقت ذاته نستطيع القول إن الجمهور بات يطالب مأمون الخطيب بالكثير من الإبهار متناسين أنه رجل يتحمل مسؤولية تقديم عروض تشبهنا إلى حد كبير، فهو لن يقدم عروضاً من أزمنة واعدة أو غابرة، لأناس خارقين قاموا بأفعال خارقة، إنما هو يقدمنا كما نحن مع دفق عاطفي يتم حشده ليقرع جرس الأحاسيس الكبرى المرتبطة بقضايا الوطن والأرض ويذكرنا بأن ما نعيشه من أحاسيس صفراء تميل إلى الاكتئاب والإحباط والانغلاق شبه الكامل، لا بد من نفضها لأن القيمة الكبرى للإنسان وأرضه ما زالت موجودة وتستحق الاشتغال عليها. وهو ما أراد إيصاله مؤلف العرض المخرج السينمائي «طارق مصطفى عدوان» بجمعه لشخصيات على خشبة المسرح منتقاة لتكون نموذجاً مجتمعياً يعكس مدى الهوّة التي نعيشها، حيث إن الهوة هي التي تجمع أبناء البيت الواحد على سفرة واحدة، على الرغم من روابط الدم والأخوة، وهو يريد أن يخبر الجميع وخاصة المسؤولين عن الحرب أن الجميع صار يفكر بالخروج والانسلاخ عن أرضه، محاولاً دفن عواطفه والانسياق لقرارات لا يعرف نتائجها لكنه يخلق لنفسه المسوّغات التي يفهمها المجتمع، فيعفي نفسه من الملامة فالمؤلف يقدم المبررات اليومية والحياتية التي تحمل صعوبات تفوق الاحتمال للإنسان العادي فتدفعه إلى اتخاذ قرارات لا يعرف مدى قدرته على تحمّلها، فشخصيات طارق مصطفى عدوان شخصيات نجدها في حياتنا كل ساعة، تدلق آراءها أمامنا وتسوقها اعتماداً على مقتضيات تمنع من مواجهتها انصياعاً للواقع. وربما يريد طارق وأريد أنا أن أواجههم بحقائقهم في كل لحظة وكان خيراً أن اختار أن يصرخ في وجههم على خشبة المسرح مع مأمون الخطيب، فكم من علياء «رنا جمول» من المتثاقفات تجدهن أمامك، يصعدن المنابر ويركبن الموجة لا بل أصبحن من ذوات القرار في – البيع والشراء – كما هو الحال في العرض وربما بما هو أبشع من ذلك في الحياة، لكن الحق وصوته موجود وصابر وإن كان يرتكن إلى حيّز صغير كما في شخصية «أمل – وئام الخوص» التي أدت أداء مبهراً تستحق أن تكون سيدة من سادات الخشبة لأزمان طويلة بهدوء وإتقان، استطاعت بدمعة حقيقية سحبتها منا وأخرجتها من ذواتنا برضانا، لا قسراً، لكوننا أبناء هذه الأرض وجعلتنا نقف في مواجهة الأرض وتجلياتها فلم نجد القدرة إلا أن نتمنى أن نكون أملاً في نقائها الأطهر، وقد نجح طارق عدوان بتحميل هذه القيمة النبيلة لشخصية أمل بدل من تحميلها للجندي «ابراهيم عيسى» لأنه لو فعل ذلك لكان العمل مبتذلاً ومتكئاً على الحالة التعاطفية مع الجنود، لكنه – وبأداء ابراهيم عيسى الرشيق والمرن وتعبيراته الصادقة – استطاع أن يقدم نموذج صاحب العذاب الأكبر الذي يستطيع أن يبرر لمن عذاباتهم أقل منه، مكرهاً ولربما انساق معهم في مشروع البيع لولا وجود العاطفة الحقيقية التي يتجاهل غير العارفين بمعنى الوجع أهميتها، من الضروري القول إن نقاء الحب الذي أدته «ميريانا معلولي» هو العنصر الأجمل الذي يربط الإنسان بأرضه وإن كنت أطالبها بشجن أعلى في صوتها لكون العمل يحتاج إلى هذا الحشد من الشجن، مع احتمال أن صوتها كان متعباً يوم حضوري للعرض، أما حالة عدم التعاطف التي وجدنا أنفسنا أمامها مع كل من «رنا جمول ومازن عباس وغسان الدبس» فهو الدليل على أنهم نجحوا في مهمتهم وهم أصحاب الخبرات على المسرح ولا يحتاجون إلى الشهادات، فحين أضحكونا إنما كان السبب أن نماذجهم تعيش بيننا وتتكلم بالطريقة نفسها التي علينا مواجهتها كما واجهها طارق عدوان ومأمون الخطيب.