الرئيسية | ثقافة وفن | طويلة.. يا سكة الحاقدين

طويلة.. يا سكة الحاقدين

| إسماعيل مروة 

يؤلم أولاً أن تتم استعادة نغم أسطوري عذب، وهو سكة العاشقين، للحديث في أمر مؤسف للغاية، وهو الحقد والضغينة.. ويؤلم أكثر عندما يسألك أحد يثق برأيك، أو بتحليلك، أو ربما كان يشك بأن مصادرك من المعلومات فوق تلك التي يعرفها أو يتداولها الإعلام، وببراءة أو خبث يسألك: متى تنتهي الأزمة التي نحن فيها؟ أو متى تتوقف الحرب على سورية؟ وليس بإمكانك وأنت العامل في الحقل الثقافي والإعلامي أن تقول له: ما المسؤول بأعلم بالأمر من السائل!
ولو قلت، لعدّك تخفي معلومات أنت تعرفها عنه، وصنّفك مباشرة مع أو ضد، وربما عدك ممن يضع رجلاً هنا ورجلاً هناك، ولا تريد أن تفصح عن رأيك الحقيقي! وفي كل الأحوال أنت في ورطة، وهذه الورطة محفوفة بالمخاطر وإياك أن تستهين بها، فهذا المحلل السياسي الذي لم يقرأ كتاباً يقول وينظّر ويحدد مواعيد ومواقيت لنزول مطر القذائف، ويحدد النتائج، ويخطط لما بعد نصف قرن، من مبدأ الاعتماد على الزمن الذي قد لا يدركه الكثيرون منا في مواقيته ولا في نتائجه!
وأنا هنا أريد أن أكون واضحاً، فلا أستخدم مصطلحاً واحداً، فنحن أمام أمرين اثنين: الحرب على سورية والأزمة في سورية، ولا يعنيني هنا أيهما الأقوى، وكذلك من منهما سبب الآخر، فلست محللاً سياسياً، وأهرع إلى الجواب مباشرة، وقد قلت في مرات عديدة: إننا سنستيقظ ذات صباح لنجد أن الأمور انتهت في سورية، وأن السحر انقلب على الساحر، بغض النظر عن الساحر وانتمائه، وما أزال عند هذا الرأي، وأزيد بأن الحرب المفروضة على سورية أمر مقدور عليه، ويمكن أن تنتهي بين عشية وضحاها، لأن أي حرب تفرض من الخارج على أي بلد يمكن أن تنتهي مباشرة، وإن استمرت فنهايتها بالإخفاق حتمية، أما الأزمة في سورية، وهي بيت القصيد فهي طويلة كما سكة العاشقين لأن الأزمة لا علاقة لها بالخارج، وإنما هي من الداخل وحده، ولا يشاركه فيه أي جهة مهما كانت هذه الجهة.
فرق كبير بين أن يهزمك عدوك وبين أن تهزم نفسك، ومن هنا قالت لي الكاتبة المصرية التقدمية الراحلة فتحية العسال: إن حرب حزيران أسهل من اتفاقيات كامب ديفيد، لأن عدوك عندما يهزمك تستعد له، أما عندما تقرر أن تهزم نفسك فلن تقوم بعدها لمدة طويلة! وما جرى في مصر العزيزة يدل دلالة قاطعة على صوابية رأي الكاتبة الراحلة فيما ذهبت إليه، وكل ما جرى ليس إلا ارتدادات طبيعية، ونتائج منطقية لاتفاقيات كامب ديفيد التي لم يقتصر أثرها على مصر بل عاد بالسلبية على الأمة جمعاء سواءً وافق بعضهم على مفهوم الأمة العربية من باب التغليب على الأقل أم لم يوافق وأراد أن تكون أمماً في رقعة جغرافية!
أعود لأقول لمن سألني، إن الأزمة السورية طويلة طويلة، لأنها صارت وفي الداخل سكة للحاقدين، فمع أن ما يجري مرسوم وبعناية من جهات خارجية، إلا أن ما حصل في الداخل كان أدهى وأمر وأصعب، فبدل أن يتكاتف الناس على مختلف الانتماءات والأيديولوجيات لدحر العامل الخارجي، والتعامل مع الداخل بعقلانية وتروٍ وجدنا أن الداخل صار صورة شوهاء للفعل الخارجي، فالجميع تخندق في مكانه، هذا يتبع أمراً، وذلك يتبع مهمة، وثالث يتبع مصلحة، وقليل ما هم الذين تخندقوا بالوطن! فإن خسرت ليرة واحدة كان الوطن الضحية من دون أن تفكر بأنه الأغلى! وفي هذا السياق يمكن أن يحصي المتابع عدداً لا حصر له من الناس الذين كانت الأزمة نشيدهم المنتظر، وأغنيتهم المحببة، فهذا الذي لم يكن ليؤبه له، أقسم فأبرّه الله وصار له من الشأن ما لا يمكن أن يتخيله المرء، فصار محط اهتمام ورعاية، ويمكن أن يرهب منطقة بتمامها إن أراد أو تحدث، وهذا الذي كان مجرد عامل صار زعيماً ويمكن أن يحرك بإصبعه عشرات وربما مئات ممن يأتمرون بأمره، وهذا وهذا.. والأمر يطول، وبالتأكيد ليس بينهم المواطن العادي الذي صار مستباحاً استباحة تامة بأرضه وماله وعرضه، وكأنه غنيمة حرب يتقاسمها الأقوياء!!
أشرت في زاوية سابقة إلى أن مشكلتنا الأساسية في ثقافة المجتمع التي تم تهميشها، ولم يتم العمل عليها، ولا أقصد هنا الثقافة بمعناها الضيق وإنما أقصد الثقافة المجتمعية، لأن المثقف الحقيقي إن لم يجد بغيته في الثقافة ومن يتولاها اندار إلى حقل آخر لتحقيق رسالته، أما المشكلة في ثقافتنا العربية، والسورية ضمناً أن السلطات العربية خلقت طبقة من المثقفين المتورمين الخارجين عن حدود اللباقة، وعن أي عرف من أعراف الثقافة! فقد أقنعته السلطة التي أوجدته ذات يوم بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا ينطق عن الهوى، كما أقنعته بأنه مثقف وحده وبنفسه، فليس بحاجة لقراءة اعترافات جان جاك روسو، ولا الجاحظ أيضاً، فكل الذين كتبوا قبله أو معه أو بعده مجرد كتاب لا قيمة لهم، وهو وحده كتابته بألوان قوس قزح وإن لم تجد قارئاً واحداً، ولم يدر من صنّع مثل هؤلاء المثقفين، وجعلهم يركبون الثقافة ويدلّون أقدامهم أنهم أنهوا ما تبقى للوطن من مكانة في الثقافة والفكر، فهذا المثقف والصحفي الذي ركب المنبر لعقود عزّ عليه أن ينزل من مكانه، وعزّ عليه أن يعود إلى مكانته الحقيقية، فهو كاتب لا يقرأ له من صنعه، باختصار لأنه ليس كاتباً، فمن يرَ العالم في مساحة رؤيته فلا رؤية له، ومن يختصر الكتابة في قلمه فلا قلم له، ومن يستهن بجهود الناس، ويتحقق من أنه الأوحد الفريد فلا قيمة له، وعندما يشعر بأنه انتهى يلجأ إلى الشتم والقذف، ويهدد ويتوعد، بل فوق ذلك يصنف الناس وفق رؤيته، فهذا عميل وذاك مع النظام، وثالث داعشي، بل ربما وصف الشخص نفسه بالأوصاف جميعها، وذلك حسب مقتضى الحال والمقام الذي هو فيه!
هبْ أننا اليوم انتهينا من الحرب على سورية، مع أن الأمر فيه صعوبة لارتباطات قد لا يستوعبها العقل، لكن هبْ أنها انتهت، ما المدة التي تستغرقها سورية للتخلص من أصناف عجائبية طحلبية لا تجيد شيئاً، وفي غفلة من الزمن تربعت وصارت من الأهمية بمكان؟!
كيف نقنع هذا الذي تورم بأنه إنسان عادي؟
كيف نطلب ممن عاش في الرخاء لأنه تابع بأنه تابع لا أكثر؟
ناهيك عن إقناعه بأنه وراء ما حصل في سورية هو وأمثاله فقد أكلوا الكعك كله، واستنفدوا الخيرات، ولا يريدون أن يروا المشهد من دون أن يكونوا فيه متحكمين وفاعلين ومستفيدين؟!
أعتذر من الأغنية الجميلة سكة العاشقين
لكنني أعتذر ممن يسأل، ويدفعه الأمل لعله يسمع جواباً يشفيه، لكنه يجدني بهذه الإجابة قد أغلقت أمامه أبواب الأمل، وجعلته على يقين لا يتزعزع بأن سكة الحاقدين هي التي ستحكم سورية إلى سنوات وربما عقود، والعهدة على ذاتي التي لا تقبل التغرير.