د. وهب رومية عضو في مجمع الخالدين … استقبال رومية عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية في دمشق بعد مسيرة حافلة بالنقد والأدب

| سارة سلامة

يعدّ مجمع اللغة العربية بدمشق أقدم مجمع للغة العربية في الوطن العربي وأعرق مؤسسة لغوية في العصر الحديث، إذ تم تأسيسه في عهد حكومة الملك فيصل سنة 1919 م، وكان له أثر كبير في تعريب مؤسسات وهيئات الدولة وتعريب التعليم وإنشاء المدارس الأولى في سورية والدول العربية، وترأس المجمع عدد من أعلام سورية وعلمائها على مر التاريخ ليس آخرهم سليمان العيسى، أما اليوم فيقيم مجمع اللغة العربية حفل استقبال للعضو الجديد الدكتور وهب رومية وذلك في قاعة المحاضرات بالمجمع، حيث عيّن أستاذ النقد والأدب القديم بجامعة دمشق رومية خلفاً للشاعر الكبير الراحل سليمان العيسى، وذلك بحضور نخبة من المثقفين والأدباء ورجال التعليم والإعلام، إضافة إلى المجمعيين.
للغة ديمومة

وقدّم الأستاذ الدكتور مروان المحاسني رئيس المجمع كلمة تحدث فيها عن اللغة العربية وأهميتها وقيمتها فقال: «تتمثل حياة الأمم في لغاتها أكثر منها في منحوتاتها ومصنوعاتها، لأن للغة ديمومة تتجاوز عثرات التاريخ، ومادامت اللغة مرتكزاً للتعرف على الأشياء من أسمائها، متمّمة للتواصل الإنساني، حاملة للفكر ومفسّرة لحقائق العالم، فهي تطمح إلى الخلود بصفتها مكنزاً لروح الأمة».
«ولعل الطابع الغالب على شعرنا التراثي دقة استحضاره للأحاسيس البصرية، في لمعان السيوف، واحتشاد الجموع، وتوصيف الطبيعة بعوالمها المختلفة، ما يجعلنا نقول إن الرؤية التصويرية هي منطلقه الأصلي بما في ذلك من حركية ورموز وتبادلات، وأما الرؤيا، تلك التجربة الوجدانية الحارة، فإنها ظهرت محوراً للشعر فيما بعد، عند الصوفية، وهي كما يسميها أدونيس «قفزة خارج المفاهيم القائمة»، ولاشك بأن الرؤيا تستند إلى مقوّمات حسّية مختلفة، أهمها التخييل الذي يستشفّ ما وراء الواقع. وقد وصفها محيي الدين بن عربي بأنها «المشاهدة بالبصيرة»، في حين يصف الرؤية بأنها «المشاهدة بالبصر». وقد أراد بعضهم تمثيل الرؤيا بالحلم، إلا أن التخييل يعيد صياغة العالم على شكل جديد، على غرار ما تصنعه ريشة فنان يتلاعب بالألوان، وهذا الاختلاف بالألوان هو ما يدفع التخييل إلى إعادة ترميز المشهد، للتعمق في ترابط عناصره، ليزيد من قوة الوعي بما يرافقه من أحاسيس».

نغار على لغتنا
وقام الدكتور ممدوح خسارة بتقديم العضو المنتخب في المجمع فعرّف به وتحدث عن مهام المجمع اللغوية: «في رحاب أعرق مؤسسة لغوية عربية في العصر الحديث نستقبل اليوم الزميل الجديد الكريم الأستاذ الدكتور وهب أحمد رومية ابن لاذقية العرب ومن مواليدها لعام أربعة وأربعين وتسعمئة وألف.
وعرف بالدكتور رومية فقال: «حصل زميلنا على الإجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق سنة سبع وستين وتسعمئة وألف، ثم على الماجستير في الدراسات الأدبية من جامعة القاهرة سنة أربع وسبعين وتسعمئة وألف، ثم على الدكتوراه من الجامعة نفسها بمرتبة الشرف الأولى سنة سبع وسبعين وتسعمئة وألف».
وأضاف خسارة: إن « الدكتور رومية عمل مدرساً فأستاذاً مساعداً فأستاذاً في كل من جامعتي دمشق وصنعاء، حيث عهد إليه فيهما برئاسة قسم اللغة العربية، ثم في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في الكويت، وكُلّف بأخرةٍ عمادة كلية الآداب فرئاسة تحرير مجلة جامعة دمشق للعلوم الإنسانية، وعضوية هيئة تحرير مجلة «التراث العربي» في اتحاد الكتاب العرب»، ودرّس زميلنا الفاضل الأدب الجاهليّ، والأدب القديم، والأدب الأموي، والأدب العباسي، وعلم الأسلوب وأدب الطفل والدراسات الفنية والجمالية».
وأوضح خسارة أن «من الطبيعي والحالة هذه أن يشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وأن يسهم في مناقشات رسائل أخرى كثيرة، وأن يحكم في كثير من بحوث الترقيات الجامعية، وأن يقوّم بحوث مجلات متخصصة محكّمة، وأن يشارك في مؤتمرات محلية، وعربية، وأدبية، ونقدية بدراسات أصيلة محددة أهلته لأن يكون من المجتهدين المعروفين في البحث الأدبي والنقدي في الأوساط الثقافية العربية».
وأفاد خسارة أن للدكتور رومية عدة كتب منشورة منها: «قصيدة المدح في العصر الأموي، بنية القصيدة الأدبية، شعرنا القديم والنقد الجديد، الشعر والناقد من التشكيل إلى الرؤيا».
وعن اللغة وأهميتها قال: «إننا نغار على لغتنا، ولا يعدل غيرتنا عليها إلا الثقة بها، فما من ضعف غيرة عليها نفتح لها النوافذ لتأخذ حقها من الهواء والنور، ولكن من عظيم ثقة بأن من نحبها ليست «لحماً على وضم»، ينال منها من يشاء ما يشاء، بل هي كحرائر العرب «تجوع ولا تأكل بثدييها».

اللغة أهم مقوّم من مقومات الأمة
ومن ثم تحدث الدكتور رومية المحتفى به فقال: «السلام على دمشق، السلام على هذه الحسناء المتشحة بالسواد منذ سنوات، السلام على دمشق عاصمة الأمويين، وحاضرة التاريخ العربي المعاصر، وبعد: شرّفني مجمع اللغة العربية بترشيحي لعضويته، فأوجب عليَّ حقَّ الشكر والامتنان والتقدير للأستاذ الدكتور رئيس المجمع وأعضائه واحداً واحداً».
ووجه رومية الشكر إلى سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد وقال «أشكر سيادة الرئيس الذي شرّفني بموافقته على الترشيح، فعزّز إيماني بقيمة العمل، وكرامة الصواب، ولم تكن موافقته تكريماً وتشريفاً لي وحدي، بل كانت تكريماً وتشريفاً لكل محب لهذه اللغة، ولكل غيور عليها، وكانت تعبيراً عن إيمانه العميق بلغة أمته التي هي أهم مقوّم من مقوّمات هذه الأمة».
وتحدث باستفاضة عن سلفه الشاعر سليمان العيسى ومما قاله: «لعل سليمان العيسى خير شاهد على «الإنسان العربي» المؤمن بالصيرورة التاريخية، والمتمرد على واقعه، والمتحدّي لشروطه التاريخية، والجدير بالإنسانية، والحاكم- ككلّ المصلحين الكبار في التاريخ- بغدٍ أجمل وأكمل، لم يستطع الواقع الضيق الفقير أن يقيّده يوماً، بل ظلّ يحلم بالممكن الرحب الغنيّ، وظلّ يلوذ بحلمه العربي الكبير كما يلوذ مقاتل عنيد بسيفه وهو يوغل في الطّراد».
وأضاف رومية «إن سليمان يتحدث عن موسيقا الشعر، فيقول «أما الموسيقا فقد كنت وما زلت أراها أهم عنصر من عناصر الفن، ولاسيما في البيان العربي، «إن من البيان لسحراً».. الموسيقا عصب الكلام الجميل.. نثراً كان أم شعراً.. تبلغ ذروتها في الشعر».
إن الشعر في رأي «سليمان» إنشاد وغناء على نحو ما كان لدى العرب القدماء:
«تغنّ بالشعر إما أنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار»
«وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا»
وبهذا الإنشاد أو الغناء يختلف الشعر العربي عن الشعر الفرنسي أو الإنجليزي الذي يقرؤه أهله كما يقرؤون أي أمر آخر، على نحو ما أخبره شاعر أجنبي صديق، ويرى سليمان القافية قيداً من ذهب، والقصيدة العمودية أشبه بفرس الجنّ، لا يستطيع أن يمتطي صهوتها إلا فارس من الجن، ولكنه كتب الشعر على وفق أنماط موسيقية شتّى استغرقت- أو كادت- هندسة إيقاع الشعر العربي المعاصر».
يشار إلى أن الدكتور وهب رومية حاز شهادة الدكتوراه في الأدب القديم من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1977 بمرتبة الشرف الأولى، كما تقلد العديد من المناصب منها رئيس قسم اللغة العربية بجامعة صنعاء، وأستاذ الأدب القديم بجامعة دمشق، وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة دمشق، وله العديد من المؤلفات منها «الرحلة في القصيدة الجاهلية»، و«شعرنا القديم والنقد الجديد»، وغيرهما.. وفاز بجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عام 2007 على كتابه «الشعر والناقد من التشكيل إلى الرؤيا».