الرئيسية | ثقافة وفن | البرلمان السوري أيام زمان .. تشتبك الآراء وتتداخل المقترحات وتشتد المنازعات وتثور الحزبيات 

البرلمان السوري أيام زمان .. تشتبك الآراء وتتداخل المقترحات وتشتد المنازعات وتثور الحزبيات 

| شمس الدين العجلاني

تروى قصص وحكايا عن تاريخ البرلمان السوري أعرق مؤسسات الديمقراطية في المنطقة العربية، فمَن يقفِ اليوم أمام البرلمان السوري (مجلس الشعب) يدركْ أنه يقف أمام صرح معماري عريق يعبق بالتاريخ والبطولة ولكل حجر منه حكاية، وفي كل ركن من داخله أسطورة، يؤرخ البرلمان السوري ذكريات وأحداثاً ومشاهد تراكمت مع أيام وليال قديمة، حكايا وقصصاً تروى:

يوم أغلق البرلمان
يروى أن البرلمان السوري تعرض للإغلاق (عطلت الحياة التشريعية والبرلمانية) عدة مرات زمن الانتداب الفرنسي، فكان يعطل لأيام أو أشهر أو أنه يعطل بشكل تام ويدعى لانتخابات جديدة، وبعد أن نالت سورية استقلالها عام 1946م، تعرض البرلمان للإغلاق ثلاث مرات، المرة الأولى في عام 1949 بعد الانقلاب العسكري الذي قام به قائد الجيش حسني الزعيم، ولم تعد الحياة البرلمانية إلى البلاد إلا عام 1953 بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية التي توالت على سورية. وأغلق البرلمان ثانية بين عامي 1959 و1961 خلال فترة الوحدة مع مصر، حين انتقل العمل البرلماني إلى مجلس الأمة في القاهرة، ومثل سورية (الإقليم الشمالي) في برلمان الوحدة 200 عضو من أصل 600 عضو، ثم توقفت الحياة البرلمانية من جديد بعد وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في آذار 1963، (عين في عام 1965 المجلس الوطني لقيادة الثورة ومن مهامه السلطة التشريعية). وأعاد مجدداً الرئيس الراحل حافظ الأسد بعد الحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970 الحياة البرلمانية إلى سوريه عام 1971 وأخذ البرلمان منذ ذلك الحين تسمية (مجلس الشعب) وقام أول مجلس عام 1971 تعييناً استمر لعام 1973، حيث أصبح المجلس انتخابا بعد ذلك التاريخ وصولاً إلى الدور التشريعي الحالي.

ذكريات موظف
مر على البرلمان السوري منذ إنشائه حتى الآن آلاف من الموظفين، منهم من مر مرور الكرام، ومنهم من وضع بصمة ناصعة، فعمل بجد وضمير وقدم خدماته مجاناً للمواطنين. ومن هؤلاء المرحوم علي القدسي، الذي بدأ عمله في المجلس النيابي بعد نيله شهادة الثانوية العامة عام 1937 كاتب ضبط (والقدسي من مواليد 1916)، وتدرج بالمراتب الوظيفية درجة درجة، ولم ينزل (بالبراشوت) إلى منصب مدير، ولم يفصل المنصب على مقاسه.. وتدرج القدسي في المناصب الإدارية في المجلس النيابي فكان رئيس مكتب المجلس ثم مديراً للتشريع، واستمر في عمله في البرلمان إلى أن تجاوز الـ70 عاماً وشهد تجربة قيام مجلس الشعب، ويشهد له زملاؤه الموظفون في المجلس النيابي بالسيرة العطرة والتفاني في خدمة العمل، كما يشهد له كل من راجعه من المواطنين قاصداً حاجة أو مستفهماً عن أمر ما يحسن الاستماع والمساعدة في حل مشاكلهم، كما يشهد الكل له بالنزاهة وحسن الاستقبال والتواضع الجم في التعامل مع الآخرين.
في عام 1962 أدلى علي القدسي وكان يشغل آنذاك منصب رئيس مكتب المجلس، بحديث صحفي روى من خلاله ذكرياته عن البرلمان فيقول: العمل في البرلمان السوري له طبيعة خاصة، فآلية العمل في السلطة التنفيذية تختلف عنها في السلطة التشريعية من حيث أسلوب العمل والدوام الرسمي وحتى التسميات الوظيفية، وكثير من العاملين في البرلمان يمرون ويخرجون منه من دون أن يدري أحد بهم أو يضعون بصمة تشهد عليهم.
وعن ذكرياته في المجلس النيابي يقول أيضاً: إن مجلس النواب كان يضم عام 1936 بين 40 و50 نائباً وفي عام 1943 أصبح عدد نوابه 124 نائبا وفي عام 1947 أصبح العدد 139 نائبا وفي عام 1949 نزل العدد إلى 121 نائبا وفي عام 1953 نزل العدد أيضاً إلى 80 نائباً وفي عام 1954 أصبح العدد 142.. أما المجلس الحالي (1962) فيبلغ عدد نوابه 172 نائباً.
وعن الاعتداء الفرنسي على المجلس النيابي يوم 29 أيار عام 1945م، يقول القدسي إنه ترك مكتبه في المجلس قبل بدء العدوان الفرنسي عليه في 29 أيار 1945 بسبع دقائق فقط.. وعاد في اليوم التالي ليرى شظية قنبلة وقد اخترقت المقعد الذي كان يجلس عليه.
ويمضي القدسي في حديث الذكريات قائلاً: إن أعنف الجلسات التي شهدها المجلس كانت في مطلع عهد الاستقلال. ولم يوضح القدسي سبب عنف هذه الجلسات.

براعة رئيس البرلمان
اشتهر الزعيم الوطني المرحوم فارس الخوري بالذكاء والفطنة والطرفة، فيصف أحد الأدباء براعة فارس الخوري في رئاسة مجلس النواب فيقول: «.. كانت رئاسته عجباً من العجب، وكان الوافدون إلى دمشق لا يريدون إذا رأوا جامع بني أمية، والربوة، وقاسيون، إلا أن يروه على منصة الرئاسة، ليحدثوا قومهم إذا رجعوا إليهم، بجليل ما رأوا وما حضروا..
كان النواب بين يديه كالتلاميذ، بل إن أكثرهم كانوا تلاميذه فعلاً، وكان يصرّفهم تصريفاً لا يوصف ولا يكتب على الورق، وما هم بالذين يصرفون أو يسيّرون.
وأن فيهم لكل يافعة داهية، عذب اللسان، سليط اللسان، آفة من الآفات، يطيح بالحكومات، وينسف الوزارات، ولكن الحدأة تسطو على العصافير، فإن قابلت النسر عادت هي عصفوراً.
وكانت تشتبك الآراء وتتداخل المقترحات وتشتد المنازعات، وتثور الحزبيات، فما هي إلا أن يتكلم ويلخص، ويجمع الشتيتين، ويصب على جمرة الغضب سطل ماء، ويستل الرأي الموافق من بين الآراء المشتبكة، سل الشعرة من العجين، ويعرضه للتصويت، وكان له في هذا العرض (فن)، ما تنبه له الناس إلا بعد حين، هو أن في النواب من لا يشتغل حتى ولا يرفع اليد، ولا تنال الأمة منه إلا حضوره الجلسة، وقبضه الراتب. وكان يعرف هؤلاء، فتارة يقول (الموافق يرفع يده) فيكونون من المخالفين، وتارة يقول (المخالف يرفع يده) فيكونون مع الموافقين، يكف بذلك من جموح الأكثرية، ويقوم من اعوجاجها..؟!».

ذكاء سياسي

يروى، أن الحكومة السورية فوجئت بعقد اتفاقية ثنائية بين وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا (بيدو وبيفن) في 13 كانون الأول 1945 تنص على الجلاء التدريجي عن الشرق، بشرط الاحتفاظ بقوى كافية لضمان الأمن التام فيه! وخشيت الحكومتان السورية واللبنانية آنذاك من أن تكون هذه الاتفاقية نسخة جديدة من اتفاقية سايكس- بيكو السيئة الذكر فتقدمتا بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الناشئ حديثاً، تطلبان فيها إلزام الحكومتين الفرنسية والبريطانية بسحب جيوشهما من الأراضي السورية واللبنانية، في حين حاول ممثلا هاتين الحكومتين في المجلس المراوغة والتسويف ما أمكنهما ذلك. ‏
وكان المرحوم فارس الخوري مندوب سورية في الأمم المتحدة، وفي إحدى المرات قدم إلى الاجتماع مبكرا بعض الشيء وجلس في المقعد المخصص للمندوب الفرنسي، وعندما وصل هذا الأخير إلى المجلس ورأى المندوب السوري يجلس في المقعد المخصص له انزعج إذ كيف يجرؤ مندوب سورية أن يجلس مكان المندوب الفرنسي فتقدم منه وقال له بحدة:‏
«يخيل لي أنك أخطأت في اختيار مكان جلوسك أيها السيد. هذا المقعد مخصص لرئيس الوفد الفرنسي. وتظاهر المرحوم فارس الخوري بأنه لم يفهم ما يريد المندوب الفرنسي، فازدادت ثورة المندوب الفرنسي وصاح قائلاً:‏
– ألا ترى اللافتة التي أمامك؟ ألا ترى عليها كلمة (FRANCE)؟ إن هذا المقعد الذي تجلس فيه هو مقعد فرنسا، وأما مقعد سورية فهو هناك! وعندها قام فارس الخوري من المقعد قائلا للمندوب الفرنسي ساخراً، بلغة فرنسية وبمنتهى الفصاحة:
إن أمركم غريب أيها الفرنسيون. إنك لم تتحمل جلوسي في مقعدك مدة خمس دقائق على الرغم من أن جيش دولتك يحتل أراضي بلادي منذ خمسة وعشرين عاماً، وهو يتلكأ في الجلاء عنها اليوم. ‏ وكان لهذا الموقف الذكي أثره في إقناع بقية أعضاء مجلس الأمن في الوقوف إلى جانب الحكومتين السورية واللبنانية بطلب الجلاء الفوري والكامل عن أراضي الدولتين».