حوار مطول مع الكاتبة اعتدال رافع في دار السعادة … اعتدال رافع لـ«الوطن»: الشام روحي… وصوت فيروز «صلاة».. كم أتمنى لو يلغون الانتساب في الهوية للأديان ويكون للمكان

| سوسن صيداوي

لا المرض ولا الأزمة تثنيها عن البوح بالكلام الصادق والمُحب والنابع من فكر يأبى الظلم والاستبداد بحقوق المرأة، تجلس في ركنها المخصص في دار السعادة للمسنين، مبتعدة عن الأضواء والإعلام، ليس ضعفا، بل رغبة ملحة بأن تكون في قلب شامها التي هي روحها. مسايرة ظروفها وأحوالها، ومتصالحة معها، متدبّرة شؤونها بمعزل عن الضوضاء. إنها القاصة وكاتبة المقالة اعتدال رافع، التي تشبه الشجرة بالشموخ والصمود في وجه الرياح، والتشبث بالأرض والتمسك بها بكل قوة، عقلها المتوافق مع عاطفتها لطالما جعل من مؤلفاتها ومقالاتها محل إعجاب وتقدير من الكثيرين وخاصة الرجال، وهذا أمر حزّ في نفسها لأن المرأة التي لطالما حملت همومها ودافعت عنها في كتاباتها ضد العادات والتقاليد، لم تراسلها ولو حتى مرة برسالة واحدة. على بالرغم من الابتعاد عن الصحافة والحوار، وعلى الرغم من أنها طوال السنين التي مضت لم تكن موضوعا لحوار أو مقال، إلا أنها رحّبت بنا بقلبها الكبير، ودردشت مع جريدة «الوطن» في اللقاء، وإليكم الحوار…

لماذا أنت اليوم بعيدة عن الصحافة على الرغم من قربك الشديد والواقعي منها؟
بالفعل أنا كنت ومازلت البعيدة القريبة، لأنني كتبت مقالات لجريدة البعث في زاوية حديث الصباح من عام 1982 حتى عام 2000، يعني كتبت لأكثر من ثماني عشرة سنة في هذه الجريدة، وكذلك كتبت في جريدة تشرين لأكثر من مرة، ولكنني في كتاباتي لم أكن أنا الموضوع، وحتى لو كنت أنا الموضوع، كنت أكتب عن نفسي ضمن حالة عامة تمسّ العديد من الأشخاص، ولكن وللأسف طوال كتاباتي الصحفية كانت تأتيني رسائل من الرجال، ولم تأتني رسالة من أنثى.

هذا على الرغم من أن كتاباتك كانت داعمة للأنثى؟
صحيح.. كل الرسائل من الرجال، ومنهم من هم مغمورون من الشباب الجامعي، وكانوا يظنون بأنني في عمرهم نفسه، وكانوا يضعون لي الورود مع المكاتيب، ولكن حزّ في نفسي كثيرا عدم وجود رسائل من السيدات، والغريب أن الرسائل كانت من كل المحافظات.

ربما لأن المرأة تخاف لأنك كنت ضد العادات والتقاليد في كتاباتك؟
نعم.. صحيح كتاباتي مع المرأة وضد العادات والتقاليد المقيدة والخانقة لها، ولكن خوفها ليس بمبرر من ألا تراسلني، فالأمر ليس فيه من إدانة إذا كتبت رسالة لي، وبالطبع هذا كما قلت أمر أحزنني جداً.

هنا على من يقع اللوم.. هل على الأنثى التي لم تتجرأ على مراسلتك؟
نعم يقع اللوم على المرأة.

ألا يمكن أن نلوم شريكها الرجل؟
لا.. الأنثى لم تتابع الأمور الجوهرية في حياتها، وما تتابعه بشكل يومي هو أشياء أخرى، وهناك قلة من النساء الملمة بالثقافة، فالنسبة قليلة جداً، على حين الرجل يهتم بالصحافة والجرائد والأخبار، والمرأة مشغولة بالمنزل والأولاد وبالمطبخ والموضة وبالبوتوكس وعمليات التجميل.

في مكان آخر وفي الكلمة أيهما تكون مؤثرة أكثر المكتوبة أم المسموعة أو المرئية؟
أنا أرى أن الكلمة عبر الراديو والتلفزيون لها تأثير قوي، وأجد المسموعة أقوى، على حين المكتوبة قلّة من يهتم بها وقلّة من يهتم بالكتاب، وللأسف ربما يعود هذا للظروف الاجتماعية والتربوية، وبالعودة إلى موضوع المرأة ففي تربيتها يتم تهيئتها لتكون زوجة المستقبل بالدرجة الأولى، ولكن في هذا الوقت أصبحت تتعلم مثلها مثل الرجل، وأحياناً نجد المرأة تتفوق على الرجل في الجامعات والمدارس، ربما هي تتعود لتخرج من فكرة الضلع الناقص، وكي تعوض عن هذه الفكرة المزروعة فيها، لهذا تجدّ في الدراسة وتجتهد بطريقة مرعبة رغم أن الظروف العائلية أحياناً لا تكون مساعدة، وهي من أجل أن تثبت وجودها ليس لها سوى هذا الطموح، وبأن تتعلم.

انطلاقاً من هذا الكلام هل ترين أنه سيكون للمرأة في المجتمع الشرقي التميّز بعيدا عن أنها ضلع ناقص؟
أتمنى أن تكون المرأة في المستقبل منافسة ولها أسس وركائز قوية ومتينة تعتمد عليها في حياتها التعليمية والمهنية بعيدا عن القشور والمظاهر، فالشكل الجميل مهم ولكن داخل الإنسان هو الأحلى والأجمل وهو الذي يدوم، وأتصور بأن مستقبل المرأة هو أفضل من الوضع الحالي.

حتى لو حاول الرجل في مجتمعاتنا الشرقية تقييد المرأة بقيوده؟
لا يوجد رجل، إلا ويقيد المرأة ويمنعها من الانطلاق.

هل يمكننا القول وبدقة، إن من يقيدّها هو ذكر وليس رجلاً؟
نعم.. فمثلا في عالم الحيوان والحشرات على الخصوص، نجد كل الإناث تقتل الذكور، لأنه في حياتهم هو عضو غير فاعل، ولا تحافظ عليه إلا لأجل التزاوج والحفاظ على النوع ولاستمراريته، فحتى أنثى الحشرات هي مكتشفة عالم الذكر المحدود، فعالم الأنثى هو صورة عن الطبيعة، فيها من الداخل زلازل وبراكين، وفيها بحار وأنهار، وسهول وجبال، فيها من الداخل كل شيء، لذلك من الصعب أن تعمل الأنثى على خلق التوازن في داخلها من متناقضات الطبيعة الموجودة، وهذا التوازن يتطلّب منها معركة يومية بين الخير والشر والجمال والقوة، على حين الرجل ليس لديه هذه المتناقضات، لذلك تتعذب المرأة بأنوثتها أكثر من الرجل، فالأمر محلول بالنسبة له لأنه يظن أنه يكتسب رجولته من خلال أعضائه التناسلية، وهذا المفهوم الخاطئ وللأسف السائد في مجتمعاتنا الشرقية، فالرجولة تأتي من القلب الكبير ومن الفكر، فالتفكير متجه نحو الأسفل ولكن عليهم الارتفاع للأعلى ومخاطبة العقل بعيدا عن الغرائز، وهذا ما يجعل من المجتمعات الشرقية مجتمعات متخلفة، لكن سورية بعيدة عن هذا التقييم وتعود إلى أصلها الفينيقي أهل الحضارات، فأصلنا ليس ببدوي فالبداوة خرّبت كل تاريخنا.

ربما إذا بقيت المرأة مستقلة وبعيدة عن الرجل فستكون متمتعة بالقوة؟
هناك قاعدة في الحياة «الأشخاص يبحثون بشكل دائم عن نصفهم الضائع، فالاثنان ليس لهما غنى عن بعضهما وهذه هي سنة الكون»، والأنثى التي تعيش بعيدا عن الرجل وتشتم به، هذه ليست بأنثى، وهنا نقطة مهمة، الأنثى كون وهي بحاجة إلى قدرة كبيرة على الاستيعاب والاحتضان، وهذا ليس بالأمر الهين، وهل يوجد من رجل قادر على احتضانها على المدى الطويل، فهو غير قادر إلا في لحظات المتعة وبعدها يذهب كل شيء، وهم قلّة من يحتضنون المرأة لأجل فكرها، فالرجل يخاف المرأة التي لديها فكر ومستوى من الثقافة والقادرة على مجادلته والقادرة على تقييم الأمور الصحيحة والخاطئة، فهو يكره المرأة المجادلة، بل يعشق ويحب المرأة الجارية وهذا تاريخ من أيام السلاطين وإلى أيامنا هذه، فكثيرا ما نسمع يقولون للشاب تزوج فتاة صغيرة كي تطبخ لك وتخدمك وتنجب لك أطفالاً، وهنا لابد لي من الإشارة بخصوص الزواج، يُكتب على عقد الزواج عقد نكاح، كيف لهم أن يمسخوا هذه العلاقة الإنسانية القائمة على الحب والتفاهم، كي يتم مسخها إلى أسلوب بشع بين الزوجين، وكنت نشرت حول هذا الموضوع وحول شرعنة العهر، وما وصلنا إليه خلال الأزمة من انتهاكات وأساليب تشوّه الدين وقدسية الزواج، وتستدعي أن يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة، بما يتناسب مع فكر ورقي مجتمعنا السوري، وليس هذا فقط فالعلاقة بين الرجل والمرأة علاقة لا يمكن ربطها بورقة أو عادة، فهذه العلاقة مربوطة بالقلبين، فهما ناضجان وراشدان، وأنا اعتبر الزواج شركة اقتصادية بالدرجة الأولى.

هل الاستقلال المادي يشجّع المرأة؟
بالطبع… الاستقلال المادي هو أساس الحرية، فمثلا على صعيد شخصي كان من أحلامي أن أتمكن من شراء ولو غرفة واحدة، ولكن عندما تحقق حلمي كان الوقت قد تأخر كثيراً.

إذا نظرت إلى الماضي… فماذا عن زواجك من الفنان أنور البابا؟
لا أعتبر زواجي ناجحا، وإذا اعتبرته ناجحا فذلك يعود لوجود ثمرته في ابنتيّ الاثنتين، اللتين بالنسبة لي هما أهم من كنوز الدنيا، فهما ثمرة زواجي والوردة الوحيدة في حياتي، ومن دونهما الحياة لا تطاق مع رجل.

هل حضانة أطفالك وأمومتك منحتك الدعم والتأييد في مواجهة زوجك؟
واحدة كانت مؤيدة لي والأخرى لا، فزوجي من بيئة محافظة، فواحدة من البنات متأثرة فيّ والأخرى بأبيها، ولكن الاثنتين بنتاي، وأنا مشتاقة لهما ومنذ زمن لم نلتق، فهما مسافرتان قبل الأزمة.

هل درستا في الجامعة؟
نعم.. واحدة خريجة كلية الآداب فرع اللغة الإنكليزية والأخرى خريجة كلية الهندسة الميكانيكية وهي رسامة، وبالطبع أنا مع أن تتعلم المرأة، وبالنسبة لي، عندما تزوجت كان عمري ثمانية عشر عاما، وعلى اعتبار زوجي من بيئة محافظة، كان خروجي من المنزل محدوداً وبرفقته، فكنت أمضي وقتي بالقراءة ومطالعة الكتب إلى أن جاءت واحدة من صديقاتي ونوّرتني بقولها «لماذا لا تدرسين وتحفظين كتب البكالوريا، فأنت تقرئين طول النهار»، وشجعتني كثيرا. وبالفعل حصلت على شهادة البكالوريا والجامعة خلال خمس سنوات، وابنتاي الصغيرتان عند الصلاة تقومان بالدعاء لي كي أنجح، وهنا لا يمكنني أن أنكر أنه في البداية زوجي ساعدني ولكنه بعدها عضّ يديه ندامة/قالتها ممازحة وضاحكة/.

هذا لأنك تفتّحت وتنورّت وأصبح بإمكانك العمل؟
بالفعل.. حصلت على عمل وأصبح لدي أجنحة، بالرغم من أنني كنت محوطة بعالم من الزواحف الخطرة، وأنا أحمد الله أنني نجحت.

ماذا عن الحب في حياتك؟
لا أتصور أنني في عمري مررت بعلاقة حب حقيقية.

ألم يكن في حياتك حب ابن الجيران؟
نعم.. لقد وقعت في حب ابن الجيران. عندما كنت آخذ مصروفي، كنت أذهب لأستأجر به كتابا من مكتبة كانت موجودة في شارع العابد، وأول كتابين قمت باستئجارهما هما لجبران والمنفلوطي، وكانت حالنا العائلي كحال الكثير من الأسر وهناك خلاف بين أمي وأبي، وكي أهرب من جو المشاحنات كنت آخذ الكتاب وأجلس على السطح وعلى الأرض في ظل المدخنة، وأذهب مع القراءة وأعيش القصة وأبكي، وبسبب الشحوار الخارج من المداخن يسوّد وجهي منه مع دموعي. وفي مرة رمى لي ابن الجيران مكتوباً كان ربطه بحجر، وألقاه إلي من سطحهم، وكان قد كتب لي «هل تحبين أن تكوني صديقتي»، وطبعاً كتبت له «لا مانع من أن أكون صديقة لك»، ومن شدة بساطتي ولكوني طفلة، ألقيت بالمكتوب نحوه وإذ بالريح تطيّره إلى البعيد، ولكن لم تنته قصتنا هنا، ففي اليوم التالي أعطاني ظرفاً أزرق، كنت سعيدة بهذا الظرف، وفتحت حقيبتي المدرسية ووضعته فيها، وطبعا صعدت إلى الأوتوكار، ومن سعادتي كنت أنظر إلى الظرف ولم أفتحه وأنا متلهفة لمعرفة ما كتب فيه، وفي أثنائها كان زميلي في الصف بقربي ورأى المكتوب، وعندما وصلنا إلى المدرسة وفي الاستراحة فتح حقيبتي وأخذ الظرف وأعطاه للمديرة، وإلى يومنا هذا أتساءل عما كتبه لي في الرسالة التي كانت في الظرف الأزرق. في تلك الفترة كان عمري أربعة عشر عاما، للأسف ليس لدينا حرية شخصية.

إذاً تمّ تنبيهك على أنه فعل خاطئ ومأثوم؟
نعم نهرتني المديرة عند سؤالها عن الفتى، وبالطبع أجبتها الحقيقة وبأنه ابن الجيران. وهذا الكلام صحيح، كل كلام القلب مربوط بالخطيئة وبالإثم، وكنت قلتها مرة: «عندما ينام العقل يستيقظ القلب عطشاناً»، فكل الأمور يجب أن تكون مدروسة وتمشي على الصراط المستقيم، ولكن في الحقيقة الإنسان عبارة عن مشاعر، وأنا أحب هذه العبارة التي تقول «الله الذي نعبده موجود في قلوبنا»، فكيف نقول نعم لله ولا لأنفسنا، لهذا عدت للكتابة فأنا كتاباتي كلّها جراح مرقعة بالقليل من الحلم والعاطفة.

إلى أي مدى تحبين الشام؟
الشام روحي، وكنت قلتها مرة بإنهم عندما يريدون أن يضعوا الانتماء الطائفي على الهوية، يجب أن يكون ديني هو سورية، وكم أتمنى لو أنهم يلغون الانتساب للأديان وأن يكون الانتساب للمكان، وهنا أريد أن أشير إلى أمر، أخي موجود في لبنان ولديه إمكانية أن أعيش عنده فمنزله مريح وتتوفر فيه الخدمة والاهتمام، ولكنني أقول دائما أنا أريد أن أموت في سورية.

في أي وقت تحبين الشام وفي أي فصل؟
الشام تسحرني في كل أوقاتها، فلا يمكنني وصف مقدار حبي لها، فالحروف قاصرة أمام حب الشام، فهي تعني لي ليس في هذا الجيل بل في الأجيال القادمة… حيث سأعود للشام.

ألا تحبين الليل؟
أنا لا أعرف عالم الليل.

بالرغم من أنك كاتبة؟
أسهر وحدي مع كتاباتي، ولكن لا أتأمل كثيرا في الليل بعناصره من حيث الظلمة وغيرها من الأمور، ولكنني أنظر إلى السماء وإلى النجوم، وأقول كل إنسان خلقه الله له نجمة، وعندما تبكي النجمة ينزل منها خيط من الضوء باتجاه الأسفل، عندها أقول لقد مات صاحبها، وكي أكون صريحة أكثر أنا لا أستمتع بالجمال الخارجي، بسبب البؤس الكائن في داخلي، فمثلا الكل يتغنّى بالبحر، في حين أنا أقول بحري وأمواجي وبراكيني كلّها في داخلي، وللأسف لم أستمتع بالطبيعة الخارجية، ولكن هذا لا يمنع من أنني أحب الشجر عندما يزهر أو يثمر مثلاً: أنا أسعد بالأشجار المزروعة في حديقة منزلي، وأنا أعشق الشجرة وأتصور دائما بأنها أمي، وإذا كنت أحب أمرا من الطبيعة، فأنا أحب الشجرة، وأتأمل صمتها، رغم أنها مغروسة في محلها ولا تتحرك، وأتأمل شموخها وصمودها وكيف تتمسك بالأرض، وأتأمل سقوط أوراقها الصفراء، فهذا أمر يؤثر فيّ كثيراً.

إن دمعتك سخية جداً وتبكين بشدة والأمر لم يتغير منذ طفولتك؟
صحيح.. دمعتي تنزل وحدها رغم محاولتي عدم البكاء، ولكن أنا أحب البكاء وأحب الضحك أيضا، وللأسف في الوقت الراهن لا يوجد شيء يستدعي الضحك، فالوقت مرّ.

كيف ترين المشهد السوري اليوم؟
أنا لا أجيد كلام السياسة.

أقصد من الناحية الاجتماعية.. فأنت مناصرة للمرأة، وماذا عليها أن تفعل في هذا الزمن الحرج؟
في هذا الظرف المرأة معنية جداً بالبناء التربوي وحتى المجتمعي، وعليها أن تكون جدّ فاعلة، ولكنها للأسف تهتم بالقشور الخارجية وعمليات التجميل، وبالمقابل هناك الكثير من الأمهات فقدن أولادهن، أتمنى على الأم أن تسترجع الثقة بالمستقبل وتبني، وأتمنى ألا يسيطر الشعور بالإحباط عليها، وبصراحة أنا على صعيد شخصي محبطة، وفي كل يوم أقول ستنتهي الحرب على سورية، ولكن للأسف الواقع مؤلم وأنا أقول هذا على الرغم من أنني أجلس هنا وأنا عنصر لا يقدم ولا يؤخر، وأتمنى من المرأة السورية بالعموم والأم السورية بالخصوص، أن تعضّ على جرحها وتقاوم كي تعود لنا سورية وأتمنى أن تعود لنا سورية قبل أن أموت.

كيف تقضين وقتك.. وهل تكتبين؟
كنت أكتب من فترة، ولكنني اليوم بعيدة عن الكتابة، كنت أستخدم عند الكتابة الحاسوب، ولكن عندما أتيت إلى الدار، وأنا أرى هياكل عظمية تحيط بي، لم أعد أكتب في دفتري الموجود هنا بين يدي، فالمشهد المحيط بي دفع باليأس إلى قلبي.

إذاً لماذا لا تغادرين الدار؟
لا أستطيع المشي وحدي، فأنا أخشى من السقوط على الأرض، بسبب التهاب دائم في الأذن الوسطى، والذي يسبّب لي اختلالاً في التوازن، وهنا أجد الاهتمام والمرافقة الدائمة لي.

هل تسمعين الموسيقا؟
في الوقت الحالي لا أسمع موسيقى، بسبب الكهرباء، ولكن فيروز بالنسبة لي أغانيها صلاة بكل الأوقات، وكيفما كان حالي، وهي تعني لي كثيراً وأعتبرها قمة ولا أملّ من أغانيها أبداً.

ما أكثر أغنية لفيروز لا تغيب عن بالك؟
أغنية عتاب وأغنية وقف يا أسمر، وكنت كتبت قصة عتب على فيروز، عندما كانت تقول: «هالبنت يلّي بيتها فوق الطريق»، ونحن كنا نسكن في قبو وكنت أصعد على كرسي لأطل من الشباك على ابن الجيران في مواجهتي، على حين أقوم بتنظيف شباكنا المطل لعل ابن الجيران ينتبه لي، وعتبي على فيروز بأنه كان يجب أن تقول عني «هالبنت يلي بيتها تحت الطريق وليس فوقه».

هل تقرئين؟
بالطبع.. يومياً أقرأ، وفي الوقت الحالي بين يدي كتاب ياباني أحضره لي أحد الأصدقاء.

كلمة أخيرة
عندي أمل أن تعود سورية لنا وبأن أغمض عيني وأنا مطمئنة. أنا متصالحة مع الموت ولا أخافه، ومتصالحة أيضاً مع مرضي «السرطان» الذي يرافقني منذ عام 1990 وحتى اللحظة، وأقول دائماً قبل أن أنام في الليل «يا رب أرجوك أن تصل نومتي الصغرى بنومتي الكبرى».