المنسي في سيرة الجلاء

| شمس الدين العجلاني

كتب اللـه على الشام أن يكون تاريخها جهاداً ومسيرتها استشهاداً فمن حروب الفرنجة إلى تشرين مروراً بالعثمانيين والفرنسيين وميسلون… معارك مصير ومواقف عزة قدمت فيها سورية قوافل من الشهداء.
لقد خلقت هذه القوافل ثقافة للسوريين مفادها الشجاعة والإقدام وحب الوطن، وقوامها على حد قول نزار قباني: (خلق اللـه السوريين.. كل رغيف يخبزونه يقتسمونه مع العرب.. وكل شجرة يزرعونها تأكل من ثمرها العرب.. وكل حجر يحملونه على أكتافهم هو لتعمير بيت العرب) وبطل سورية عبر التاريخ هو الشهيد، وتأصل هذا الميراث الثقافي في نفوسنا وأضحى جزءاً من تكويننا وحياتنا، أحداث كثيرة عصفت في بلادنا، قدمت فيها سورية قوافل من الشهداء على مذبح الحرية والمجد وسجل التاريخ النضالي لشهداء الوطن المجد والخلود.
قصص وحكايات.. بطولات لا تنتهي.. حكايات تناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد، وسطرتها كتب التاريخ عن سورية التي تصنع الحضارة وتسطر التاريخ.. إنها سر الكون والتكوين لم تزل باقية حتى الآن ترد الأذى عن العرب والعروبة وتنشر المسيحية والإسلام وتنبئ عن النصر القادم. إنها تختزن التاريخ وتحكي أحجارها وسماؤها عن أسرارها… إنها مدرسة العروبة وسيفها وقلمها وتاريخها.
واليوم في ذكرى الجلاء نستذكر بعضاً من حوادث وأحداث وسيرة رجال طالت قامتهم السماء…

لماذا عيد الجلاء وليس عيد الاستقلال؟
في كل دول العالم يطلقون اسم عيد الاستقلال أو العيد الوطني على اليوم الذي تحرروا به من الاستعمار، إلا في بلادنا فيطلق عليه اسم عيد الجلاء ويتساءل البعض لماذا هذه التسمية؟…
أعلن استقلال سورية في العصر الحديث أكثر من مرة، كانت المرة الأولى في 8 آذار عام 1920 م من المؤتمر السوري، وتمت مبايعة فيصل بن الحسين ملكاً على سورية الطبيعية وذلك بعيد سقوط الدولة العثمانية، وإعلان المملكة السورية العربية بشكل رسمي. لم تدم هذه المملكة طويلاً حيث احتلت فرنسا سورية، وعانى الشعب السوري ظلم الاستعمار الفرنسي وقدم الغالي والنفيس.
في زمن المحتل الفرنسي أعلن استقلال البلاد السورية ثلاث مرات، في عام 1936 م عقب المعاهدة السورية الفرنسية، وتعرف باسم معاهدة الاستقلال. نصّت على استقلال البلاد وإخراجها من دائرة الدول المنتدب عليها من فرنسا، وعقد صداقة وتحالف بين البلدين. استمرت المفاوضات حول المعاهدة ستة أشهر، من آذار وحتى أيلول 1936، وترأس الوفد السوري رئيس الكتلة الوطنية هاشم الأتاسي. صدّق البرلمان السوري في كانون الأول 1936 على الاتفاقية، أما البرلمان الفرنسي فلم يصدق عليها، وكانت هذه المعاهدة ثمرة الإضراب.
وفي عام 1941 م أعلن الجنرال شارل ديغول استقلال سورية بعد أن دخل دمشق طارداً قوات حكومة فيشي، ففي 8 حزيران 1941 م حلقت طائرات فرنسية تابعة لقوات فرنسا الحرة، وألقت مناشير على السكان تتعهد بها باستقلال البلاد السورية.
في 20 تموز 1941 عقد المندوب السامي الفرنسي الجديد الجنرال كاترو اجتماعاً مع الطبقة السياسية في مدرج الجامعة السورية أعلن فيه: «رأينا أن الوقت قد حان لنضع بالاتفاق معكم، نصّ نهاية الانتداب، ونتفاوض معكم في الشروط التي تحقق سيادتكم التامة واستقلالكم الناجز، وفي 28 أيلول 1941 عقد حفل إعلان الاستقلال في دار البلدية في ساحة المرجة بحضور أعضاء الحكومة والطبقة السياسية ورؤساء الطوائف. بعد أن أعيد العمل بالدستور في 12 أيلول واختير تاج الدين الحسني رئيساً للجمهورية لحين سماح الظروف بإجراء انتخابات.
في تشرين الثاني من عام 1943 م أُجريت الانتخابات التشريعية، وهي رابع انتخابات تجرى في تاريخ سورية الحديث، وآخر انتخابات تشريعية في عهد الانتداب الفرنسي، تم بعد إعلان الاستقلال عام 1941، وفي 17 كانون الثاني 1943 م ارتأى كاترو أن يتنازل للقوى الوطنية، فقام بتعيين السيد عطا الأيوبي رئيساً للحكومة السورية المكلفة إجراء انتخابات تشريعية جديدة ورئيساً لدولة سورية بالوكالة، وفي 22/3/1943 تم الاتفاق بين ممثلي الحكومتين السورية واللبنانية قائد الجيش الفرنسي في سورية ولبنان الجنرال كاترو على تسليم الصلاحيات الدستورية التي تمثلها سلطات الاحتلال إلى الحكومة السورية، وزف سعد الله الجابري وهو يبكي البشرى للمجلس النيابي وللشعب، حيث عدت تلك الجلسة جلسة إعلان الاستقلال، فعم الفرح والابتهاج كل المحافظات والمدن السورية. ‏
وقد جرت هذه الانتخابات فعلاً في 7 تموز من عام 1943 والتأم المجلس النيابي الجديد، فتم انتخاب فارس الخوري رئيساً له، وانتخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية السورية، وتألفت حكومة جديدة برئاسة سعد الله الجابري، وكان هذا بداية عهد الجمهورية الثالثة في سورية التي أصبح اسمها الجمهورية السورية.
إلا أن مخططات الاحتلال الفرنسي لم تكن متوافقة مع رغبة الشعب العربي السوري في الحصول على استقلاله الناجز الكامل، حيث صرح الجنرال كاترو تصريحاً نشرته صحيفة صوت الأحرار بأن «السلطات الفرنسية ستحتفظ بالجيش الخاص بها إلى ما بعد نهاية الحرب، وأنها لا تقبل أي حل آخر».
مر عام 1944 في عملية تسليم واستلام بين إدارات الانتداب والإدارات السورية الناشئة وقد سلمت سلطات الانتداب إلى السلطات السورية جميع المصالح الحكومية ماعدا ادارتين اثنتين: القطعات العسكرية وإدارة الأمن العام.
لهذه الأسباب لم تحتفل سورية بعيد الاستقلال عام 1936 أو عام 1941 أو عام 1943 لأنه لم يمنحها الاستقلال الفعلي التام، وتم خروج آخر جندي محتل عن أرضنا في عام 1946 نتيجة نضال أهلنا ودفاعهم عن أرضنا الطيبة وتقديم الشهيد تلو الشهيد…

الجلاء 1946 م
خرج آخر جندي فرنسي وبريطاني، من سورية عند الساعة العاشرة من صباح يوم الإثنين الواقع في يوم 15 نيسان عام 1946م « وليس في 17 نيسان»، وقرّرت الحكومة السورية آنذاك أن يكون الاحتفال الرسمي للجلاء عن سورية في يوم الأربعاء الواقع في 17 نيسان ويستمر لمدة يومين 17 و18 نيسان، وذلك لتمكين الوفود العربية والأجنبية الرسمية والعسكرية والشعبية من الوصول إلى سورية للمشاركة بهذه المناسبة، ولتزامن عيد ديني للمسيحيين يوم 15 نيسان ولإفساح المجال للشعب للاحتفال بهذا العيد واحتفل السوريون في جميع أنحاء سورية يوم 17 نيسان من عام 1946 م بالجلاء واعتبروا هذا اليوم عيداً وطنياً يحتفلون كل عام بذكراه وهكذا يكون الاحتلال الفرنسي لسورية قد استمر 25 سنة ونيّفاً، أو ما يعادل 9487 يوماً.

ميسلون
طلب غورو من الجنرال غوابيه الاستعداد وتهيئة الفرقة الثالثة للمسير إلى دمشق فور تلقي الأمر بذلك.. وصباح يوم 20 تموز من عام 1920م، تبلغ الجنرال غوابيه من الجنرال غورو أمر المسير لاحتلال دمشق، وتحركت قطعات الفرقة الثالثة، والمؤلفة من:
لواءين للرماة السنغاليين بقيادة الجنرال بوردو.
فوج مشاة من اللواء 415 بقيادة العقيد ريوكروا.
لواء الفرسان المراكشيين بقيادة العقيد ماسيه مع كوكبة من الخيالة الخفيفة.
فوج مشاة من الرماة الإفريقيين بقيادة المقدمين آبوت وباولتي.
بطارية مدفعية من عيار 155. بطاريتين ونصف بطارية من عيار 65 جبلية.
سرية دبابات، فوج هندسة، سرية طائرات.
أما القوات السورية من الأهالي وبقايا الجيش السوري فقد كانت مؤلفة من:
فرقة مشاة مجهزة ببطاريتين تشتملان على عدد من المدافع من عيار 105 وعلى 25 مدفعاً رشاشاً، ولم يتجاوز من خرج لقتال المحتل ثلاثة آلاف مقاتل مقابل ما لا يقل عن تسعة آلاف مقاتل فرنسي..
في الساعة الخامسة من صباح يوم الرابع والعشرين من تموز عام 1920م، تقدمت القوات الفرنسية باتجاه دمشق، ويقول الجنرال غوابيه: « شرعت البطارية 155 بقذف المدفعية السورية ولكن نيران المدفعية السورية سلطت عليها بشدة مما شل حركتها فأصبح تقدمها بطيئاً وأوقعها في خسائر في المعدات والأرواح.. توقف الهجوم إثر هذه المقاومة السورية الضارية. «وهذه المقاومة للقوات السورية دعت الجنرال غوابيه لاستقدام فوج من الرماة السنغاليين التابع للواء الحادي عشر، وفي منطقة وادي الزرزر انهالت نيران المدافع الرشاشة والمشاة بشدة على قوات الاحتلال وفقدت البطارية الجبلية 65 الفرنسية عدداً من خيولها ودوابها من دون أن تستطيع إحكام الرمي أو التمركز، واستطاع الفرسان المراكشيون المشاركون في قوات الاحتلال من تطويق القوات السورية ما جعلها في وضع حرج أجبرها على الانسحاب، وكان ذلك نحو الساعة العاشرة صباحاً، واستؤنف الهجوم الفرنسي على مجمل الجبهة الساعة الحادية عشرة.. وكان ما كان واستشهد بطل سورية ووزير دفاعها، وانسحبت القوات السورية بغير انتظام، وأصبح طريق دمشق مفتوحاً أمام قوات الاحتلال.
يوم الأحد الخامس والعشرين من تموز عام 1920 م، وفي الساعة الرابعة من بعد الظهر والمدينة مقفلة الأسواق، دخل الجنرال غوابيه دمشق محتلاً، وعن خسائر قوات الاحتلال الفرنسي يقول الجنرال غوابية: «أما خسائرنا فقد بلغت في يوم 24 تموز 76 قتيلاً و252 جريحاً و24 مفقوداً وقد تناولت الخسارة بنوع خاص المدفعية وفوج كلوبنانستين الذي واكب الدبابات».
دخل غورو إلى دمشق في الثلاثين من تموز عام1920 بسيارة مكشوفة وذهب مباشرة إلى ضريح القائد صلاح الدين الأيوبي، وترجل إلى الضريح، وقال قوله الشهير: (ها قد عدنا يا صلاح الدين).

الخراط إلى المفوض السامي الفرنسي
قامت قوات الانتداب الفرنسي عام 1925 م بأمر من المفوض الفرنسي آنذاك الجنرال موريس ساراي بقصف وتدمير دمشق، استمر القصف ثلاثة أيام من عصر يوم الأحد 18 تشرين الأول إلى مساء الثلاثاء في 20 تشرين الأول.
وهنا نستذكر رسالة البطل المجاهد حسن الخراط إلى المفوض السامي الفرنسي الجنرال موريس ساراي بعد قصفه لدمشق ولعلنا نجد فيها بعضاً مما يحاولون الآن فرضه علينا أنهم إرهابيون قتلة كانوا ولم يزالوا، يقول حسن الخراط في رسالته: (إني كللت شرف العرب بما هو أهله واستحسن فعلي العالم كله لحسن إدارة رجالي ومحافظتهم على إخواننا المسيحيين والأجانب خصوصاً، وعلى الضعفاء عموماً. وأما أنت فقد نحرت شرف فرنسا وصوبت قنابلك إلى قلبها.. أنت ممثل فرنسا وأنا حارس دمشق. أسرتُ جندك أسراً شريفاً وأنت ضربت النساء والأطفال والشيوخ ضرباً دنيئاً.. كان بودك أن تجعلها حرباً دينية إسلامية وتفرق بيننا وبين إخواننا، ولكن الله أبى. فضيعت رشدك وخربت الأحياء الإسلامية على رؤوس أهلها آملاً أن أقابلك بالمثل، وقد فاتك أننا عرب).
هؤلاء الفرنسيون حكموا سورية
الجنرال غورو من: (8 تشرين الأول 1920 – تشرين الثاني 1922).
الجنرال ويغان: عين في التاسع عشر من نيسان 1923 وباشر عمله الرسمي في البلاد السورية واللبنانية من: (9 أيار 1923 – 5 كانون الأول 1924)
الجنرال ساراي من: (2 كانون الثاني 1925 – 8 تشرين الثاني 1925)
هنري دي جوفنيل من: (2 كانون الأول 1925 – 27 أيار 1926)
هنري بونسو (عين في الثالث من أيلول 1926 – 12 تشرين الأول 1933)
داميان ده مارتيل من (12 تشرين الأول 1933 – كانون الثاني 1939)
غابريل بيبو من (5 كانون الثاني 1939 – 25 تشرين الثاني 1940) وقد أقيل من وظيفته بتاريخ 14 كانون الأول 1940 وسافر بعد هذا التاريخ بـ11 يوماً.
جان شياب: لم يصل إلى سورية ومات غرقاً وهو في طريقه الجوي إلى سورية.
الجنرال دانتز: عين في العاشر من كانون الأول 1940، وباشر عمله الرسمي في البلاد من: (29 كانون الأول 1940 إلى 15 تموز 1941).
الجنرال كاترو من: (15 تموز 1941 إلى 7 حزيران 1943) وهو أول مفوض سامي لقب نفسه مندوباً عاماً.
جان هللو من: (7 حزيران 1943 إلى تشرين الثاني 1943) وقد أقيل بعد حوادث لبنان جنرال بينه – من آذار 1944 إلى.. يوم الجلاء.