أطلّ مظلوم عبدي بتصريحات جديدة فيما يخص المرسوم الجمهوري الخاص بالاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية في سوريا، وقال عنه إنه “إنجاز وخطوة كبيرة وإيجابية، لكنه ليس كافياً”.
وهنا نركز على عبارة “لكنه ليس كافياً”، فالعبارة تكشف طبيعة المسار القائم: كل تنازل تأخذه “قسد” تعيد توصيفه فوراً بأنه محطة مؤقتة في طريق مطالب إضافية، كالنار تأكل الحطب وتطلب المزيد.
لقد تصرفت الدولة السورية خلال الاتفاق الأخير مع “قسد” وفق منطق الكل رابح ولا غالب ولا مغلوب، الكل منتصر، ناهيك عن منطق الاحتواء السياسي.

هذا الاحتواء شمل الاعتراف الرسمي باللغة وفتح باب الدمج السياسي والتعديلات الإدارية، كما شمل تعيينات من بيئة الإدارة الذاتية، وتحييد خيار القوة العسكرية رغم امتلاك أدواته، وهذه ليست تفاصيل شكلية، إنها تحولات في مقاربة الدولة لملف معقد وحساس.
لكن بالوقت نفسه ما الذي قدمته “قسد” عملياً؟
انسحاب جزئي وتنفيذ متدرج بلا جدول واضح ومحدد، وخطاب دائم يطلب المزيد ويقول إن ما تحقق جيد، لكنه غير كاف.
كل بند يُنفذ يُفتح فوقه نقاش جديد، وكل خطوة تُقابل بشرط إضافي، كأن سقف المطالب يتحرك كلما اقتربنا منه.
على سبيل المثال قضية اللغة تحديداً، فالاعتراف القانوني بها لم يكن مطلباً رمزياً فحسب، إنما هو تحوّل في البنية التشريعية للدولة، ورغم ذلك جاء رد قسد “خطوة إيجابية.. لكنها لا تكفي”.
والسؤال هنا ليس عن مشروعية الحقوق، بل عن طبيعة التفاوض، هل الهدف الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية، أم الهدف فرض واقع جديد ثم إدخاله إلى الدولة بشروطه الكاملة؟
والأخطر أن هذا السلوك يفتح احتمالاً سياسياً لا يمكن تجاهله، هل تسعى “قسد” إلى إبقاء حالة التوتر قائمة ومستمرة؟ وهل يتم رفع سقف المطالب بشكل ممنهج لاستفزاز الحكومة ودفعها إلى التراجع عن التفاهمات أو الذهاب إلى مواجهة عسكرية؟ لأن أي صدام يمكن تصويره بأنه “حرب ضد الكرد”، لا خلاف سياسياً مع تنظيم مسلح صادر حقوق الكرد قبل العرب ورهن مصيرهم لتنظيم إرهابي عابر للحدود متمثل بتنظيم PKK.
حين تقدّم الدولة تنازلات سياسية متتالية لغاية نبيلة وهي احتواء الجميع تحت مظلتها، وتُقابل كل مرة بخطاب تشكيك وتصعيد لفظي، فإن الرسالة الضمنية ليست البحث عن استقرار، بل اختبار حدود الدولة، وإذا كان الرهان أن أي تشدد من دمشق سيُستثمر إعلامياً وسياسياً باعتباره استهدافاً قومياً، فهذا رهان خطر يلعب على وتر حساس في مجتمع خرج من حرب طويلة، ستقوده إلى نتائج كارثية، تدركها الدولة وتتجاهلها “قسد”.
المعادلة واضحة، لا يمكن بناء شراكة على قاعدة “المزيد دائماً”، كما لا يمكن تثبيت تفاهم إذا ظل أحد الأطراف يتعامل معه كمرحلة ضغط مفتوحة لا كمسار التزام متبادل، فالحقوق يتم ترسيخها ضمن الدولة، لا بمواجهتها.
قد يختلف الناس في التوصيف، لكن الواقع يقول: إن الحكومة اختارت حتى الآن المسار الدبلوماسي، بينما تتصرف “قسد” كأن كل تنازل هو دليل ضعف يمكن البناء عليه لمطلب جديد، وهذا نمط سياسي تقليدي ومعروف، فحين لا يُقابل الانفتاح بضبط السقف، يتحول إلى دعوة لمزيد من الضغط.
والسؤال المطروح هل ما تم تحقيقه كافٍ؟ وهل هناك نية حقيقية بالاندماج والتسوية الدائمة؟ أم إن الهدف إبقاء الباب مفتوحاً لمعادلة تقول، كلما قدمت الدولة خطوة.. طالبنا بخطوتين؟
إذا كان الخيار الثاني هو الواضح، فالمشكلة لن تكون في حجم التنازلات، بل في غياب إرادة الالتزام، وبالتالي لن يكون النزاع على بند أو مرسوم، بل على طبيعة العلاقة نفسها بين الدولة وتنظيم يبدو أنه غير مستعد للاكتفاء بأي سقف مهما ارتفع.
بقلم عبد اللطيف البصري








