تواصل الدبلوماسية السورية جني ثمار جهودها المكثفة بوتيرة متسارعة، في انعكاس واضح لنهج سياسي قائم على التوازن والانفتاح المدروس، استطاع خلال فترة وجيزة تحقيق نتائج نوعية على أكثر من مستوى، فقد بدأت الولايات المتحدة إجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فيما استعادت دمشق كامل حقوقها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وتأتي هذه التطورات بعد نحو عام ونصف العام من الدبلوماسية المكوكية المكثفة التي ركزت على بناء قنوات تواصل مباشرة مع مختلف الأطراف، وتعزيز التعاون في الملفات ذات الاهتمام المشترك، بما أسهم في إعادة تموصع سوريا لاعباً حاضراً في النقاشات الإقليمية والدولية المرتبطة بالأمن والاستقرار.
وفي هذا الإطار، شكّلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق محطة مهمة، وما تمخض عنها من نتائج يمكن القول إنها نقلت العلاقات بين البلدين من مرحلة الاتصالات إلى مرحلة الانخراط المباشر والشراكة، عبر توقيع سلسلة من الاتفاقيات المهمة، تؤسس لمسار جديد في العلاقات الثنائية.

وحملت الزيارة أهمية كبيرة بالنظر إلى موقع فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي، وما يمكن أن تفتحه من آفاق أمام تعاون أوسع في المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، بما يعكس توجهاً نحو علاقات تقوم على المصالح المشتركة والحوار المباشر.
وفي مسار متصل، برزت مشاركة الرئيس أحمد الشرع في قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة، واللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أعلن من هناك بدء إجراءات رفع اسم سوريا من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وليس ذلك فحسب، بل إن وجود الرئيس الشرع في فعالية دولية بهذا المستوى يعكس حضور سوريا في نقاشات تتصل بالأمن الإقليمي والدولي، واهتماماً متزايداً بدورها في هذه الملفات.
كما يمثل القرار المتعلق برفع اسم سوريا من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب خطوة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية، لما يمكن أن تتيحه من فرص أمام توسيع مجالات التعاون، وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للتعامل مع الملفات المرتبطة بالتعافي وإعادة البناء.
وأحدث إنجازات الدبلوماسية السورية كان اعتماد المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بالتوافق، مشروع القرار الخاص بإعادة حقوق وامتيازات سوريا بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، في خطوة عكست دعماً واسعاً لدمشق وجهودها في معالجة إرث البرنامج الكيميائي لنظام الأسد البائد.
واستند القرار إلى ما أحرزته سوريا من تقدم في التعاون مع الأمانة الفنية للمنظمة، بما في ذلك تسهيل أعمال التحقق والتفتيش، والمشاركة في التحقيقات، وتعقب المشتبه بهم، والبحث عن مخلفات البرنامج الكيميائي لنظام الأسد البائد، مع التأكيد على استمرار التعاون واستكمال إجراءات التحقق والوفاء بالالتزامات المنصوص عليها في الاتفاقية.،
بناء على ما تقدم، تبدو سوريا أمام مرحلة جديدة من ترسيخ حضورها الإقليمي والدولي، مستندة إلى سياسة خارجية تقوم على التوازن وتوسيع الشراكات، بعيداً عن الاستقطاب، وهو ما انعكس في تنامي الثقة العربية والإقليمية والدولية بدمشق، واتساع نطاق الانفتاح عليها منذ إسقاط النظام السابق، وهذه التطورات المتلاحقة تشير إلى أن هذا النهج بدأ يتحول إلى خطوات عملية تعزز موقع سوريا في المحافل الدولية، وتمنحها مساحة أوسع للمشاركة في القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار، انطلاقاً من دور أكثر حضوراً وفاعلية.
الوطن – أسرة التحرير








