لا تكمن مشكلة الدولار في سورية في سعر صرفه فقط بل في غياب صورة واضحة عن حجم الكتلة الدولارية الموجودة داخل الاقتصاد ومقدار ما يدور منها خارج النظام المصرفي وهو ما يجعل سوق القطع الأجنبي أمام معادلة معقدة يصعب قياس أطرافها بدقة، فالدولار قد يكون موجوداً داخل البلاد لكنه خارج الدورة الاقتصادية الرسمية وقد يتحول من وسيلة ادخار إلى أداة للمضاربة أو تمويل العقود والمشاريع.
يصعب قياسها
يقول الباحث الاقتصادي الدكتور عبد الحميد الصباغ في تصريح “للوطن” إن عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة لحجم الدولار المتداول خارج النظام المصرفي يمثل إحدى أبرز المشكلات التي تواجه إدارة سوق القطع.

ويشير إلى أن تقديرات غير رسمية تتحدث عن كتل دولارية كبيرة خارج النظام المصرفي, الأمر الذي يجعل معرفة حجم العرض الحقيقي للدولار والطلب الفعلي عليه أمرا بالغ الصعوبة.
ويرى الصباغ أن وجود الأموال خارج القنوات المصرفية لا يعني بالضرورة خروجها من سورية، لكنه يعني خروجها من قدرة النظام المالي على الرصد والمتابعة. وبالتالي تصبح الدولة أقل قدرة على معرفة حركة السيولة وتحديد مصادر الطلب على القطع الأجنبي.
نزيف ممتد
ويلفت الباحث الاقتصادي إلى أن خروج رؤوس الأموال إلى الخارج خلال سنوات الأزمة شكل أحد مصادر استنزاف القطع الأجنبي، مشيراً إلى أن جزءاً من الأموال انتقل إلى خارج البلاد بينما احتفظ جزء آخر بالدولار داخل السوق المحلية بعيداً عن النظام المصرفي.
ويؤكد أن آثار هذه العملية ما زالت حاضرة في السوق من خلال ضعف الثقة بالعملة المحلية واتساع استخدام الدولار كوسيلة للادخار والتحوط من مخاطر انخفاض قيمة الليرة.
الدولار داخل العقود
ويطرح الصباغ إشكالية أخرى تتعلق ببعض العقود والمشاريع التي يجري تسعيرها أو تسديد قيمتها بالدولار وخاصة عندما يكون مصدر الدولار مدخرات المواطنين أو الأموال الموجودة أصلا داخل السوق السورية.
ويشرح أن استخدام الدولار في هذه الحالات لا يعني دخول قطع أجنبي جديد إلى الاقتصاد، بل قد يؤدي إلى سحب جزء من الكتلة الدولارية الموجودة أصلا وتحويلها إلى مدفوعات محلية.
ويرى أن المشكلة تصبح أكثر حساسية عندما لا يقابل هذا الاستخدام تدفق جديد من القطع الأجنبي عبر الاستثمار أو التصدير أو التحويلات لأن النتيجة قد تكون زيادة الضغط على الكتلة المتاحة في السوق.
المضاربة تعمق الشح
ويعتبر الصباغ أن المضاربة تمثل عاملا إضافياً في زيادة الضغط على الدولار موضحا أن حجب كميات من القطع الأجنبي عن التداول بانتظار ارتفاع سعره يمكن أن يؤدي إلى خلق شح في المعروض ودفع المتعاملين إلى زيادة الطلب.
ويشير إلى أن المضاربة لا تنشأ فقط بسبب سلوك بعض المتعاملين وإنما تجد بيئة مناسبة عندما تكون الثقة بالليرة ضعيفة وعندما يشعر المواطن بأن الاحتفاظ بالدولار أكثر أماناً من الاحتفاظ بالعملة المحلية.
مخزن للقيمة
ويرى الباحث الاقتصادي أن تحول الدولار إلى أداة ادخار واسعة الانتشار يعكس مشكلة أعمق من المضاربة اليومية لأن المواطن عندما يحتفظ بالقطع الأجنبي خارج المصارف فإنه يحول جزءاً من ثروته إلى نقد أجنبي غير مستثمر في الاقتصاد.
ويؤكد أن استعادة هذه الأموال إلى الدورة الاقتصادية تحتاج قبل كل شيء إلى استعادة الثقة بالنظام المصرفي والعملة المحلية وإيجاد أدوات ادخار واستثمار قادرة على حماية قيمة الأموال.
المشكلة ليست في الدولار وحده..
ويخلص الصباغ إلى أن الحديث عن إفراغ السوق السورية من الدولار يجب ألا يختزل في اتهام المضاربين أو المهربين وحدهم لأن المشكلة أوسع وترتبط بتراكمات اقتصادية ونقدية وإنتاجية.
فكل دولار يخرج من الدورة الرسمية أو يبقى مكتنزاً خارج النظام المصرفي يمثل جزءا من الموارد التي لا يستفيد منها الاقتصاد في تمويل الإنتاج والاستثمار.
ويؤكد أن معالجة المشكلة تبدأ من معرفة حجم الكتلة الدولارية الحقيقية ثم فهم أسباب احتفاظ الأفراد والشركات بها خارج النظام المصرفي وصولا إلى بناء سياسات تعيد توجيه هذه الأموال نحو النشاط الاقتصادي.
وفي ظل استمرار غياب البيانات الدقيقة يبقى السؤال الأهم قائماً..
كم يبلغ حجم الدولار الموجود فعلياً داخل سورية وكم منه يعمل في الاقتصاد وكم منه ينتظر خارج الدورة الرسمية.








