المزيد

‫آخر الأخبار:‬

ذريعة “فروقات الأسعار” تلتهم المليارات.. “التفتيش” تكشف تجاوزات بـ 3.4 مليارات ليرة في مصفاة بانياس

‫شارك على:‬
20

في العقود التي تتغيّر كلفتها مع ارتفاع الأسعار، تبدو فروقات الأسعار إجراءً طبيعياً لتعديل قيمة العقد بما يتناسب مع السوق.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الزيادة غير مرتبطة بالكلفة الفعلية للمادة أو الخدمة، فتتحوّل من أداة لحماية العقد إلى عبء إضافي على الجهة العامة.

هذا ما كشفته تحقيقات الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في ستة عقود أبرمت لمصلحة شركة مصفاة بانياس خلال الفترة بين 2021 و2024، إذ بلغت قيمة التجاوزات التي كشفتها التحقيقات 3.396 مليارات ليرة سورية قديمة.

وتوزّعت التجاوزات على عدة حالات، كان أبرزها حصول أحد المتعهدين على فروقات سعرية بلغت 1.1378 مليار ليرة بذريعة ارتفاع أسعار المازوت الصناعي، رغم ثبوت توريد المادة من الخارج، وعدم وجود ارتباط بين ارتفاع سعر المازوت وزيادة سعر المادة المتعاقد عليها.

وفي حالة أخرى، بلغت الفروقات 346.45 مليون ليرة، مع ثبوت التلاعب بتاريخ إدخال الأجهزة إلى الشركة وتوثيقها بعد شهر من قبل لجان الشراء، بما أتاح احتساب فروقات اعتبرتها التحقيقات غير قانونية.

أما أكبر المبالغ، فبلغت 1.4517 مليار ليرة لمتعهد آخر، إضافةً إلى مبالغ تخص متعهدين آخرين تمت تسوية أوضاعهم، ما يفسّر الفارق بين الحالات الرئيسة المذكورة وبين إجمالي التجاوزات البالغ 3.396 مليارات ليرة.

لكن الملف لا يتعلّق فقط بحجم المبالغ، بل بالآلية التي سمحت باحتسابها.

ففروقات الأسعار في العقود طويلة الأجل ليست مخالفة بحد ذاتها، بل قد تكون ضرورية عندما تتغير أسعار المواد والطاقة والنقل وغيرها. الإشكالية تبدأ عندما لا تكون الزيادة مرتبطة بمؤشر واضح أو بتغيّر فعلي في كلفة تنفيذ العقد.

وهنا يرى الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى في تصريح لـ”الوطن” : أن معالجة المشكلة يجب ألا تتوقف عند محاسبة من مرر الفروقات، بل أن تمتد إلى طريقة تنظيم العقود نفسها.

ويقول: إن فروقات الأسعار يجب أن تقوم على «معادلة واضحة تحدّد مسبقاً في العقد»، وترتبط بمؤشرات سعرية يمكن التحقّق منها، بدلاً من ترك تقدير الزيادة لاجتهاد اللجان.

ويضيف: إن استخدام ارتفاع سعر مادة معينة لتبرير زيادة في مادة أخرى لا ترتبط بها اقتصادياً يمثّل نقطة ضعف يجب إغلاقها، مشيراً إلى ضرورة تحديد مكوّنات الكلفة القابلة للتعديل منذ توقيع العقد، ووضع آلية تدقيق مستقلة قبل اعتماد أي مطالبة بفروقات سعرية.

ويعتبر المصطفى أن الرقابة اللاحقة مهمة، لكنها لا تعوّض الرقابة الوقائية؛ فبعد صرف المبالغ تبدأ عملية التحقيق والاسترداد والملاحقة، بينما يمكن تقليص الخسارة أساساً من خلال تصميم عقد واضح يحدّد مسبقاً متى تستحق فروقات الأسعار، وكيف تحسب ومن يملك صلاحية اعتمادها.

وتكتسب المسألة أهمية أكبر في الشركات والمؤسسات الإنتاجية، لأن أي زيادة غير مبرّرة في كلفة التوريد أو الخدمات لا تبقى محصورة داخل العقد، بل يمكن أن تنعكس على كلفة تشغيل المؤسسة وعلى موارد القطاع العام.

وبخصوص مصفاة بانياس، لم تقتصر نتائج التحقيق على الجانب المالي، إذ أثبتت التحقيقات تورّط سبعة موظّفين من لجان الشراء في المصادقة على التجاوزات وتوثيقها بالتنسيق مع المتعهّدين المتورّطين.

وبناءً على ذلك، اتخذت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش إجراءات قانونية شملت الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة، ومنع السفر والإحالة إلى القضاء، مع دعوة الشركة السورية للبترول إلى تحريك دعوى بصفتها المدعي الشخصي والمطالبة بالتعويض عن الأضرار.

ويحق لنا التساؤل: هل تحتاج آلية فروقات الأسعار في العقود العامة إلى إعادة تنظيم بحيث تصبح الزيادة مرتبطة بالكلفة الفعلية، لا بمجرد المطالبة بها؟
فاسترداد الأموال ومحاسبة المتورّطين يعالجان ما حدث، لكن المعالجة الأكثر فاعلية تبدأ من منع تكراره.

وهذا يعني حسب د. المصطفى أن تكون هناك معادلة سعر واضحة، ومؤشرات قابلة للتدقيق، وتوثيق فعلي للتكاليف، ورقابة تسبق صرف الفروقات.

وفي النهاية، فإن الـ 3.396 مليارات ليرة التي كشفتها التحقيقات ليست مجرد رقم في ملف رقابي؛ إنها مؤشر إلى أهمية إعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها العقود العامة، وخصوصاً في مرحلة تحتاج فيها المؤسسات الحكومية إلى توجيه كل مواردها نحو التشغيل والإنتاج، لا إلى كلف إضافية كان يمكن تفاديها.