اقتصاد

سياسة طاقوية في الظل

| علي محمود هاشم

أن تشعر بـ«الشوب» خلال شهرين أو ثلاثة من صيف نصف الكرة الأرضية الشمالي، فهذا قد لا يكفي كـ«جدوى استثمارية» لإطلاق مشاريع الطاقة الشمسية.. هذه الخلاصة «السياحية» قد يجدر ترديدها على مسامع مسؤولينا المتصاعدة حدّة تطلعاتهم «الخضراء»، قياسا بضآلة حدّة السطوع الشمسي لجغرافيتنا!
حلب العزيزة، تبدو اليوم بيئة مناسبة لاختبار تقرحاتنا التنموية، إحدى «دماملها» تكاد تنفقئ عن مشروع ضخم للطاقة الشمسية سوف يحتجز 300 ألف م2 من مدينتها الصناعية «الشيخ نجار»، مدفوعا بتطلعات مديرها لسد الاحتياجات الطاقوية لمنشآتها الـ400..! موروثنا الشعبي، يتيح، وبارتياح، وصف الآمال المعلقة على المشروع بالـ«واسعة شوي»، فحلبنا، تقع على حافة المنطقة الباردة المعتدلة الشمالية، وتتوسط -تقريبا- المسافة الفاصلة بين مداري السرطان والدائرة القطبية الشمالية، وعلى هذا، فالإحساس بـ«الشوب» هناك، قد لا يكفي لإضاءة آمال مدير «شيخ نجارها»؟!
ثمة الكثير من الظلال الأخرى التي تخيم على الإعلان عن المشروع، وعلى توازع الأدوار الحكومية لإنشائه، وكذا مردوديته، في مقابل سطوع الفراغ الذي تعانيه الـ4500 هكتار من مساحتها المترامية لحدود انحشار منشآتها في إحدى زواياها، وهذا بالطبع له أسباب عدة، يترأسها الفشل في تأمين احتياجاتها من الطاقة.. الحلقة الفارغة هذه، هي لربما من أشرق بفكرة تجفيف الشمس المسلطة على ترابها الشاسع العاري من الإنتاج، عبر زراعته بما تيسّر!
ولعنا المتصاعد في تقليص انبعاثات الغازات الدفيئة لا يخلو من فائدة، فهو يعيد تذكيرنا بحاجتنا إلى سياسة طاقوية متناسبة مع ما أرخته ظلال الحرب على الاقتصاد، وما استجد من أحاديث حول ثرواتنا الغازية والنفطية.
في عجالة ممكنة، اتخذت الطاقات المتجددة فقاعتها الأوروبية لكبح التبدلات البيئية جراء انبعاثات الفحم الحجري والتوليد النووي والأحفوري للكهرباء، لا على خلفية اقتصادية، وما الطلب المتزايد على الغاز في شمال أوروبا والصين واليابان، وتسلل بعض الدول العظمى اقتصادياً من اتفاقية «كيوتو» المناخية إلا مؤشر على ذلك، وفق ذلك، تبدو مبادرة «الشيخ نجار» الشمسية تمهيدا جيداً للتساؤل عن الأسباب التي قد تدفع دولة أزهقت الحرب شرايين بناها الاقتصادية والتنموية بشكل شبه كلّي، إلى سابق عواطفها «الخضراء»؟!
وفق المعلن من احتياطيات طاقوية تقليدية وطنية، وشبه المعلن عبر مصادر يعتد بموثوقيتها، وما لم يعلن بعد عن مكتنزات الغاز الصخري المتوقعة «تقليديا» أسفل المخازين المائية غرب سورية، وما يؤشر في مجمله إلى إمدادات مديدة، تتعاظم حاجتنا إلى إعادة هيكلة سياستنا الطاقوية ومن ضمنها وضع تعاريف متناسبة لمفاهيم التنمية وحقوق الأجيال والاستخراج والاعتمادية والتنافسية الاقتصادية وما إلى ذلك.
فوفق المعلن وشبه المعلن وغير المعلن، سيكون على ثروتنا الطاقوية لعب دور دالة التنمية الاقتصادية نحو التعافي السريع وفق السيناريوهات المحدودة التي أرستها الحرب، وخاصة في القطاعات المرتبطة كالزراعة والسياحة والصناعة، وبشكل أكثر تحديدا في قطاع النقل الذي سيكون لتكاليفه دور بارز في ارتياد الجغرافيا السورية تجاريا، وأحد مواطن قوتها على خرائط التجارة البحرية والبرية والجوية شرق المتوسط.
كما يتوجب بسياستنا الطاقوية القادمة تفهم مساحات الصراع العنيف والمنافسة الشرسة الذي تنتظر ثروتنا القادمة على حدود أسواقها المحتملة جنوب أوروبا والبلقان وتركيا، وبعضها قد ينشب مع دول حليفة، ما يجعل من دفقها إلى القطاعات الاقتصادية الوطنية، حافزا في اتجاهات عدة: تسارع التعافي، تعزيز تدفق الاستثمارات، استعادة الحقوق التجارية التاريخية للجغرافية السورية، وأيضاً تعظيم جدوى الاستخراج.
فعلى جانبي سياسة الطاقة الوطنية وتبجيلها لمبدأ الاستهلاك الفعّال محليا، سوف ترتسم مسارات الاقتصاد، وعند عتباتها ستُتخذ قرارات دفق الاستثمار داخلا، كما سيتحدد مدى ترابط المآلات العملانية لإعادة الإعمار والطموحات الوطنية في بناء اقتصاد متطور وقوي يتخذ مبدأ الصدمات التنموية المتسارعة التي تستمد نسغها من الوفرة الطاقوية والتوجيه المحفّز.
كما أن استعمالها كأداة حاسمة في تعزيز تنافسية البيئة الاقتصادية الوطنية، سوف يرسم سقوف الإغراء الاقتصادي الذي تحتاجه حتى شركات الدول الحليفة.. وهاهنا، قد يجدر المرور على موافقة الحكومة المصرية قبل يومين على منطقة صناعية روسية بـ7 مليارات دولار.
حوكمة سياستنا الطاقوية اليوم، تستوجب إزاحتها إلى الظل قليلا والمضي في استهلاك مخزوناتنا المعتبرة من الغاز والنفط خلال السنوات العشرين إلى الأربعين القادمة التي تشكل -وفق الدراسات العالمية- ذروة منحني استخدامها دون كثير التفات إلى تطبيب جراح التغير المناخي أو إفساح مكان واسع في قاموسها الصغير لمفاهيم الطاقات المتجددة أو الدمج الطاقوي أو حتى حقوق الأجيال المستقبلية، فهذه الأخيرة لا يتوجب بها تقويض حقوق الأجيال الحالية، ناهيك عن أن تركيز إرث اقتصادي مستمر وقوي، هو حل أمثل لإرساء العدالة العابرة للأجيال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن