ثقافة وفن

الحب جوهر الإنسان وعلاقته بالله وبالخلق … المصطلحات والتلاعب بها أشد تأثيراً في حياة المجتمعات الإنسانية … الطائفة جماعة سياسية بلبوس ديني والمذاهب ثراء والجماعات بلاء

| الوطن

«في جلسة مع سماحة المفتي العام سألناه عن بعض المصطلحات وخاصة ما يشيع من الطائفية والعلمانية فكانت إجابته محط اهتمام فآثرنا نشرها لتعم فائدتها».

إن الطبقة الموجودة اليوم في المجتمع لم يعد ينفع معها الوعظ والإرشاد، ولا يؤثر فيها ترغيب أو تهديد، فقد استمرأت هذه الطبقة سياسية واقتصادية ودينية حب الدنيا، حب الدنيا يولد الذل، وحب الله يولد الحرية، والسبب أنك عندما تحب الدنيا، فإنك تتذلل لأهلها ليوصولك إليها، بينما حب الله يولد الحرية، الفارق كبير بين قوي هو الله يعطيك القوة، وبين مذل يريد أن يجعلك قريباً منه.
والإنسان العربي اليوم يجب أن ندله على حريته وخلاصه ليتخلص من الطلب والدنيا والذل، وهنا مثالنا واضح، فالمجتمعات الغنية النفطية، لديها المال الكثير، لكنها تطلب أكثر، وعندما تبنى المساجد نجدها خاوية على عروشها لا روح فيها، لا يسأل المجتمع المادي عن محور الحرية، وكل ما يفعلونه التدجين.
وهذا لا يختلف عن المجتمع الغربي، فالحكومات الغربية والعالم، رغبتها أن تبقى في السلطة وفي أهم الدول التي نراها ديمقراطية، نجد حزبين يتفقان على التداول فيما بينهما، ولو على حساب الشعوب، من قرنين أو أكثر يقوم الأمر على استغلال حزبين لكل الشعوب، وفي الصين هناك حزب واحد انتهى من المشكلة، وكل هذه المظاهر متشابهة، فليس المراد أن يوجد حزب واحد أو حزبان، ولا أن يصل عدد الأحزاب إلى مئات كما في تونس في ظل الفوضى الحالية، ولدينا اليوم أحزاب عديدة لا تستوعبها البيئة، بدأنا ندخل في مذهب وطائفة، فأغلبية هذه الأحزاب السياسية العربية تستند إلى الطائفة والمذهب، هناك استخدمنا السياسة، وهنا استخدمنا الطائفة، واليوم يعيش المجتمع العربي تطابقاً بين السياسي والديني.
وما شهدناه في الطوائف والمذاهب خطير، فالإسلام والمسيحية طوائف ومذاهب، وهذا أمر واقعي وموجود، ولكن لو دخلت إلى كل طائفة ومذهب فستجد في كل بلدة وفي كل حي جماعة تنضوي تحت المسمى العام، لكنها تختلف عن الأخرى التي تشاركها، بل تتجاوب معها!! مفهوم الجماعة صار أخطر، الديني والسياسي يستخدمان لا لغرض سعادة الإنسان والمجتمع، وإنما لأغراض شخصية ومصلحة لا تصل إلى الحقيقة.
الله أنزل الدين ليخلصنا من الرق والعبودية للأشخاص، فما من نبي مرسل إلا وجدنا أنه لم يطلب عليه أجراً (قل لا أسألكم عليه أجراً) لأنه عندما يطلب من الناس أجراً لم يعد نبياً، وعندما يتقاضى من الناس لم يعد صاحب رسالة، واليوم نستعيد المأمون وابن أبي داؤد، فقد قال له المأمون: أتعبني الشيوخ يا بن أبي داؤد فما أفعل؟ قال له: استوظفهم يا أمير المؤمنين! استوظفهم، اجعلهم موظفين، لأنهم عند ذاك حسب رأي ابن أبي داؤد سينتظرون الراتب وسيصبحون عبيداً للراتب! وهذا ديدن من يطلب الدنيا.
بينما نجد الأئمة الذين بنوا الفكر والفقه لم يكونوا موظفين، أبو حنيفة والشافعي وغيرهما كانوا أصحاب مهن حرة وعمل، وكذلك الأنبياء، لهم عمل حر، ولا يوجد موظف.
نحن بحاجة إلى إعادة نظر للدعاة، والدعاة غير الأئمة، والخطباء، الخطيب موظف أما الداعية فشيء آخر، وفصل في ذلك الإمام النووي.
نحن اليوم بحاجة إلى شخصيات حرة، وأقول شخصيات لأن الحرية ليست سمة محددة لجانب دون آخر، بحاجة إلى عالم دين حر، إلى داعية حر، إلى علماني حر، حتى الملحد يجب أن يكون حراً في خياره.
حتى الإلحاد كان تبعياً في أغلب مراحله، الملحدون من أجل النظام الاقتصادي الاشتراكي!
نحن نعيش فوضى للمصطلحات.. ما بين ديمقراطية وحرية واستبداد وغير ذلك، علينا أن ننتبه للمصطلحات لأنها تغيّر في كل شيء في حياتنا، والأمر غير محصور بالسياسة والدين، بل يصل إلى الاقتصاد والمجتمع والزراعة.
زراعتنا عندما جاءت (إيكاردا) من الأمم المتحدة لتطوير الزراعة في المناطق الجافة وشبه الجافة فرحنا بها، رأت كل شيء، ولكنها غيرت في أسماء الزروع، ولم نعد نعرفها، فقد أخبرني مهندس سوداني بأنهم جمعوا من أرض سورية 16000 نبتة مميزة ومفيدة في أرضنا، لها أسماء وأماكن، قد لا نعرف قيمتها، لكن جمعها كان كارثة، فيتم تجميدها وترسل إلى المركز الرئيسي، لتصنع منها بذار ترسل لنا ونشتريها وهي معقمة، وتحمل اسماً آخر، ومصطلحاً آخر، وعندما تطبع في كتب لا نتعرف إليها، لأنها صارت شيئاً آخر، وحملت معالم أخرى اصطلاحية! اليوم فكرنا يشبه هذه الحالة، فحالة الانبهار عامة.
في الستينيات من القرن العشرين، ودون وسائل الاتصال كان فكر الناس ملتزماً وعروبياً دون ثقافة، فالفلاح الذي لا يجيد القراءة كان ملتزماً وعروبياً بالفطرة، المرأة والرجل، الطفل والشيخ.. أما من يقرأ ويتثقف، فإنه كان عروبياً وملتزماً دون وسائل إعلام، ودون وجود أحزاب وأيديولوجيات!
كنا نقرأ الجاحظ وابن قدامة والبوصيري وشوقي، والكتب الحديثة.. ومع مجيء بريق التلفزيون والإعلام صارت ثقافتنا استهلاكية، وصرنا متأثرين بما يرسل إلينا، وصرنا نخلد للراحة والتلقي! فقدنا بريق الانتماء!
وعاداتنا تغيرت، وشعائرنا تأثرت، فأذكر الحج في تلك المرحلة، كان الحاج عندما يعود نزين له ونحتفي به ونتبرك، وكانت له مكانة، وكان حجه صادقاً، أما اليوم فنجد الحج مختلفاً، بأربع نجوم وخمس نجوم وVIP وغير ذلك من صفات تخرج الدين من الحرية مع الخالق إلى العبودية والذل.. والأدهى أن بعض الناس من غير القادرين صاروا يسعون إلى حج ومناسك من هذه الفئات، فتخيل أن تعبد الله في حالة تذلل للعبد!
عندما يتحول الدين، ومن خلال المساجد إلى مصالح يحدث ما لا يمكن أن نتخيله، الدين ليس صناعة وليس تجارة، وعندما يتحول إلى تجارة يفقد روحه، وانظر معي إلى من يأتي تحت ستار الدين ليهب أرضه لبناء مسجد، نفرح به ونسمح بالبناء، وربما يطلق اسم المسجد على اسمه، مع عبارة المحسن الكبير، ولكنه في الحقيقة تاجر باسم الدين، فهو منح أرضاً، ولكنه بوجود هذا المسجد رفع أثمان الأرض المتبقية له، فخرج رابحاً على حساب الدين أضعافاً مضاعفة للقطعة التي تركها، هذا إن لم يكن المسجد على شكل سوق تجاري أيضاً! لا يقبل أن تكون مشفى، بل المسجد هو غايته لزيادة الأسعار والتجارة على الله رائجة. مع أن الإنسان يمكن أن يصلي في أي مكان في العراء، لكن العملية الجراحية لا يمكن أن تكون إلا في ظروف طبية مناسبة.
علينا أن نعيد النظر في المصطلحات كلها من طائفية ومذهبية، فما الطائفة؟ الطائفة جماعة سياسية لبست لبوساً دينياً، والمذاهب عندما تبقى تنوعاً لا بأس، لكنه عندما يتحول المذهب إلى طائفة تحول إلى مشكلة، المذاهب ثراء فكري في الأمة إلا إذا تحولت إلى طوائف عندما تصبح عبدية مصلحية وانتهى الثراء.
الأئمة الذين أوجدوا المذاهب لم ينصاعوا لرؤية سياسية.
أنس بن مالك لم يقبل أن يرفع كتابه بيد الحاكم!
العواطف الجياشة التي يتم استثمارها اليوم مشكلة.. والانسياق وراء العصرنة غيّر كل شيء، حتى احتفال المولد كان مناسبة في الحي لإطعام الفقراء، وكانت مؤونة أشهر تصل إلى الفقراء، والشام وحلب كانتا تطبخان الأطايب للفقراء، ولم تكن لتجد غنياً أو صاحب مكانة في أي احتفال من هذه الاحتفالات!
أما اليوم فيغيب الفقراء والمحتاجون، وتحول المولد إلى حفلة غنائية، والمنشد صار مطرباً يطلب من الحضور أن يرددوا وراءه، هذا علاوة عن أن الكثير من الأناشيد صارت توضع كلماتها على ألحان رائجة سوقية، المولد الجديد كالفن الجديد، لا خشوع ولا شيء، حتى في الخطابة ينظر كل واحد من سيتحدث أفضل، والأجدى أن نتحدث في الحب وأن ننشد في الحب.
المؤمن لا يكون منافقاً والخطاب لا يتوجه للمسلمين بل للمؤمنين، قد يكون المسلم منافقاً، لكن المؤمن لا يكون منافقاً.
القرآن لم يتنزل على العقل لمناقشته، بل تنزل على قلبه، لأن ما يسكن في القلب تأثرت به الجوارح، وما سكن في العقل لعبت به الأهواء والمصالح والغايات.
عندما حدثنا عن الدنيا قال (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)
وعندما حدثنا عن القيم قال (إن في ذلك لآيات لقوم يفقهون).
في المصطلحات فقدنا هذا المعنى.. فالمسيح يرى الله محبة، أعلنوا الحب في الخلق.
والرسول صلى الله عليه وسلم قال في المحبة «لا تؤمنوا حتى تحابوا».
فلنعد إلى جوهر المصطلح والدعوة كما أراد الأنبياء والرسل، وأن نعمل في رسالاتهم على حقيقتها.. والجوهر الأعلى (والذين آمنوا أشد حباً لله).
للتخلص من كل هذه المصطلحات علينا بالحب لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع، الحب وحده هو الذي يعيد وجه سورية العظيم المشرق، ويعيد صناعة الإنسان فينا.
لا يكفي أن نرفع شعارات، ولا أن نتحايل على المشروعات الإنسانية والربانية الكبرى، وما وصلنا إليه لم يكن إلا لأننا أحببنا الدنيا، فاستسغنا الذل الذي لا يليق بالإنسان المؤمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن