ثقافة وفن

القديس المعلم

| إسماعيل مروة

اليوم يومك.. ولا يوم أجلّ من يومك
اليوم بعض حرفك.. ولا يوم يداني نور علمك
اليوم استرجاعك.. وما من يوم غادرت الروح
اليوم أنت تحضر… وأنت حياة لا تنتهي

أيها المنتصب دوماً على منبر للعقل والروح، والمشارك دوماً في خلق الإنسان، فأنت أيها المعلم الأبدي تصنع الإنسان القويم، تهذب روحه، تغذي عقله، تنمي ما ضمر منه، تفتح له ما انغلق من أبواب المعرفة والعلم.
فكم من مشرد جعلته صاحب قيمة ومكانة؟! وكم من إنسان جعلته مشدوهاً أمام عرقك المتصبب وأنت تعالج علة لديه أو جهلاً مستحكماً؟! أنت وحدك الذي تعطي وتبقى في علوّ منبرك لا تغادره، يظن الجاهل أنك لا ترتقي، ويتهيأ للآخرين أنك تراوح مكانك وأن طلابك ينطلقون في الآفاق!
لم يدرِ هؤلاء أنك بهم تنزرع في كل مكان، وأن انتظارك على منبرك من علامات الهداية والنبوة، وأن فكرك وقود كون، لكنه وقود معرفة وعلم ونور، ينهل منه المرء ولا يرتوي، وأن صوتك ونبرتك تنزرع في كل الذين يجلسون على مقاعد يرقبون حركة شفتيك، وإشارة يديك، ومعالم وجهك الذي يحمل من النبل فوق ما يحمل النبل نفسه.
ما من نبي ولا مرسل كان بلا معلم أو هادٍ
كان المعلم وسيلة للوصول إلى الناموس المطلق
وكان المعلم هادياً سبل الفضيلة والأخلاق
لم تكن يوماً لتعليم حرف وجمع رقم
كنت دوماً فوق ما يرقبون ويترقبون
سقراط المعلم الذي أفنى روحه للعلم فما فنيت وبقي يعيش بيننا
أرسطو المعلم الذي أنهكته الدنيا فصار منارة لا تدانى
أفلاطون المعلم الأول الذي بنى لنا جمهورية لم نطق العيش فيها، لا دمار ولا قتل، فشتمناه لأننا أعجز من عقله، لكنه بقي المعلم، ولم نكن الطلاب…!
الفارابي المعلم الثاني.. أرادنا لعالم من نغم ووتر ورقي وجمال، ترك فينا إبداعه ورحل، ونحن عجزنا عن لحن وتره، وقبعنا ننتظر ظهوره من جديد عند (باب الصغير) وحين لم يعد بنينا عليه قبراً وقبة لنطمئن أنه لن يكدّر علينا توحشنا بنقرات موسيقاه، ووتره المشدود إلى الروح والحب.
وتستمر سلسلة العلم والرفعة من الأصمعي وحنين بن إسحق لتصل إلى طه حسين الذي أراد فتح ما انغلق، رأى ما لم نكن قادرين على رؤيته، رسم لنا عالم الفكر والتفكير والأدب الأسمى، فلم نرتق إليه، وهشمناه، وحين رأى بارقة أمل غادر دنيانا قبل أن تسود عتمة.
سيدي المعلم
أيها الباقي بعلمك، وإن اختلف معك بنوك في الرؤية، بفضلك صار الحرف مقروءاً، وبرؤيتك غداً التأمل سمة، وبمعيتك جاء إبداع وأدب.. كان الطفل الطالب يلهث راكضاً وراءك، يلمّ ما يتبعثرِ من علمك وأخلاقك، أنت لم تكن تبخل، وربما لم يتبادر إلى ذهنك أنك تبذر علمك وروحك، وهو كان يلتقط علمك ملاحظاتك، يرقب آثار الطبشور على أصابعك ويشتهي أن يقبل اليد المرتعشة التي انحبس فيها الدم لطول كتابة على لوح الحياة.
لم يكتف الناس واكتفيت أنت
لم يرتوِ الطمع فيهم ولم تعرف الطمع أنت
بصدرية ومريولة عانقت الطفولة
وباللباس الكاكي هديت الشباب
فتحت مغاليق فكر وروح… وأسلمت روحك لحرف منسكب في الحب..
كم من مسألة تفننت بحلّ رموزها!
كم من تاريخ قرأته كأنه سيرة حياتك!
كم من قصيدة قرأت وكأنها من نتاج قريحتك!
هل تتذكرها يا هذا؟
إنهم خلايا روحك ودماغك الذي أنهكته الحياة
معلم جاء وأعطاك وغاب
معلم موهوب علمك تذوق لون وريشة.
معلم فنان نقر على وتر عندما كان الوتر صديقك
معلم تراه يتمتم وهو يسير وحده، فيحلّ مسألة رياضية قبل أن يعلمك الحل.
معلم يقطب الجبين استعداداً لاحتوائك بروحه.
يا سيدي وسيد الهداة أيها المعلم المحلق في سماوات لا تطال
لم تغادر طالبك وتلميذك والمهتدي بك وبنور علمك.
كلما اعترضته الحياة كنت أنت وأنت وحدك من لا يبخل بحل
أي أمر يخترعه المرء لك الفضل فيه
فأنت من علّمه التهجئة
وأنت من علّمه المحاكمة
ولولا ما فعلت ما ارتقى..
اكتفيت بيوم للوقوف أمام عظمتك
ولم تطلب أن يكون لك يوم
مع أنك الحياة
أنت شريك في العقل والروح
شريك في الارتقاء والسمو
شريك في الرزق وبركته
وأنت مترفع عن الدنايا التي نرتكبها
لم تعلمنا لصوصية وفساداً
لم تقبل قتلاً ودماراً
لم تشر بقطع شجرة
علمتنا حب الأوطان.. ليس ذنبك أننا لم نفعل
علمتنا قراءة الأدب.. لست مسؤولاً عن نسياننا
علمتنا البناء حين بنيتنا… ولست مسؤولاً عن معاولنا
وتطير أيام الحياة بنا
نهجر الصدرية والمريول
نحاول أن ننسب الفضل لأنفسنا
وحين يأتي اليوم ندرك أننا من صنعك في الفضائل..
ونعرف أن ما نملك من دنايا جاء من عجزنا عن تمثلك
فكل عام وأنت سيد أكوان لا تنتهي
أيا صانع الإنسان… أيها القديس المعلم
أتوجه في هذا اليوم للأساتذة بالتحية والإجلال، لولاهم ما كان وطن، وما كمل عقل، وما قرئ حرف، وما ارتفعت أعلام وهامات.
هذا حين يكون المعلم مخلصاً ومثالاً
وحين يكون المعلم مرشداً وأباً
وحين يحترم المعلم ويقدر دوره
أما حين يفقد المعلم دوره من الآخر لا من ذاته، لأنه لا يتخلى عن دوره طواعيةً، حين يفقده تضيع الحدود والمعالم، وتختلط المصطلحات، ويصبح الوطن كاللجوء، وتصبح الخيانة فعلاً متاحاً ومباحاً تحت مسميات عدة!
إنه المعلم إن صلح صلح الوطن والإنسان، فإن أردنا وطناً عظيماً وإنساناً منتمياً، فلنعد إلى هذا القديس لنوقد شمعة بين يدي بركته، ونمسح ماعلق عليه من غبار النكران والنسيان في غمرة جهلنا وتجاهلنا!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن