ثقافة وفن

«الحوت الأزرق» وألعاب عديدة تحصد أرواح المراهقين … ألعاب خطرة تتسلل إلى أطفالنا ومراهقينا تحت رعاية ومتابعة الأهل

| سارة سلامة

علاء الدين الفواخيري مراهق سوري دفعه شغفه للخوض في تحدي لعبة على هاتفه الذكي تدعى «الحوت الأزرق» ليكون مصيره الموت بطريقة مروعة، هذه اللعبة أخذت منه ساعات وأياماً من الانفراد والانغلاق على نفسه وعدم محادثة الآخرين عبر مهمات غريبة تطلبها، تدفع بالشخص إلى الاكتئاب وتتطور الحالة النفسية لتسهّل عليه في آخر المطاف عملية الانتحار.
ونرى هذه الألعاب الخطيرة انتشرت على الانترنت في السنوات القليلة الماضية بشكل مجاني، وشكلت عامل جذب للأطفال والمراهقين الذين يملكون شغفاً كبيراً في البحث عن الإثارة والمتعة، وبكل أسف تنتهي بهم إلى حافة الهاوية.
وهي ألعاب عديدة وليس آخرها «البوكيمون-غو» الشهيرة بل ظهرت ألعاب أكثر خطورة مثل «الحوت الأزرق»، و«مريم» و«جنية النار» و«تحدي شارلي».
ولذلك فإن علاء ليس الضحية الوحيدة، فهناك حالات كثيرة حول العالم من المراهقين الذين حُصدت أرواحهم بسبب ألعاب كهذه، وسُجلت في روسيا وحدها 103 حالات انتحار، ومنها الطفلة أنجلينا دافيدوفا، 12 عاماً التي ألقت نفسها من الدور الرابع عشر، والطفلة فيلينا بيفن 15 عاماً، التي قفزت من الدور الثالث عشر بمنزلها في أوكرانيا وتوفيت على الفور، وبدأت هذه الموجه بالزحف إلى البلدان العربية مثل المغرب العربي والسعودية والكويت وصولاً إلى سورية.
ولعل ما يجذب هذه الفئة العمرية هو البحث عن مكان افتراضي يساعدها في إثبات نفسها فيه، وخصوصاً أولئك الأطفال غير المنخرطين في مجتمعهم، وتقوم هذه اللعبة بتعزيز شعور الانتماء لدى هؤلاء المراهقين إلى أن تتحكم بمصائرهم.
ما الأضرار الصحية لهذه الألعاب، وتأثيرها في السلوك، وهل يسبب استخدامها إدمانها، وعن دور الأهل والمدرسة ووسائل الإعلام في التوعية للحد من هذه الظاهرة هذا ما بحثه موضوعنا.

لمحة عن هذه الألعاب

«مريم» تُحدث موجة من الرعب وانتشرت في الخليج بشكل كبير، وتقوم بإحدى مراحلها بتحريض الأطفال والمراهقين على الانتحار، وإذا لم يستجيبوا تهددهم بإيذاء أهلهم، وتسيطر عليها المؤثرات الصوتية والمرئية.
«البوكيمون- غو» استحوذت هذه اللعبة على عقول الملايين في العام 2016 وتسببت في العديد من الحوادث القاتلة لانشغال مستخدميها بمطاردة والتقاط شخصيات «البوكيمون» المختلفة خلال سيرهم في الشوارع.
«جنيّة النار» توهم الأطفال بتحولهم إلى مخلوقات نارية باستخدام الغاز، لذلك فهي تشجعهم على اللعب بالنار ومن ثم حرق أنفسهم بالغاز، ليتحولوا إلى «جنية نار»، وتسببّت في موت العديد من الأطفال حرقاً، أو اختناقاً بالغاز.
«تحدّي شارلي» وهي لعبة شعبية تعتمد على اللوازم المدرسية وبالتحديد الورقة وأقلام الرصاص لدعوة شخصية أسطورية مزعومة ميتة تدعى «تشارلي» وتصوير حركة قلم الرصاص مع الركض والصراخ، وتسببّت أيضاً في حدوث عدة حالات انتحار وإغماء لأطفال وشباب.

أكثرها خطورة
«الحوت الأزرق» تعد من أخطر الألعاب الإلكترونية الحالية في العالم، وهي مازالت متاحة للجميع، ومنذ ظهورها تسبّبت بانتحار أكثر من 100 شخص حول العالم أغلبهم من الأطفال.
وهي عبارة عن تطبيق يُحمّل على أجهزة الهواتف الذكية ويتألف من 50 مرحلة أو مهمة، تستهدف فئة المراهقين بين 12 و16 عاماً، وبعد قبول المراهق التحدي يُطلب منه نقش الرمز التالي «F57» أو رسم الحوت الأزرق على ذراعه بأداة حادة، وإرسال صورة للقائمين على اللعبة وذلك للتأكد من أن المراهق قد دخل في اللعبة فعلاً، وبالمهمة الأخيرة من التحدي يطلب من اللاعب الانتحار.
وإذا ما نظرنا إلى المراحل التي تتخللها اللعبة نراها غريبة ومخيفة وتأتي تباعاً ومنها الاستيقاظ في الساعة 4:20 فجراً ليكون المراهق أمام مقطع فيديو يكون مصحوباً بموسيقا غريبة تضعه في حالة نفسية كئيبة، ومشاهدة أفلام رعب والصعود إلى سطح المنزل أو الجسر، ويتخللها محادثة أحد المسؤولين عن اللعبة بهدف كسب الثقة والتحول إلى «حوت أزرق»، وتبدأ الطلبات تزداد غرابة ومنها أن المراهق لا يتكلم مع أي أحد بعد ذلك، ويترافق ذلك في الاستمرار بجرح النفس ومشاهدة أفلام الرعب، إلى أن يصل اليوم الخمسون وعندها يطلب منه الانتحار وذلك من خلال عدة طرق، إما بالقفز من بناء عالٍ أو الطعن بسكين.
ويعتبر الانسحاب صعباً بالنسبة للمراهق إذا ما شاهدنا قوانين اللعبة حيث إن المسؤولين عنها يقومون بتهديد الشخص الذي على وشك الانسحاب ويبتزونه بالمعلومات التي حصلوا عليها منه، إضافة إلى تهديد المشاركين في حال الانسحاب بقتلهم مع عائلاتهم.

الحرب فاقمت عزلتنا الإلكترونية
وتقول الدكتورة في كلية الإعلام نهلة عيسى في حديث خاص لـ«الوطن»: «إن الألعاب الإلكترونية المعاصرة لها طابع تقمصي تجسدي بمعنى أنها ثلاثية الأبعاد وشديدة الخطورة لأنها تملك إلى حدّ كبير ما نسميه خاصية الإيهام بالواقع وخاصية دمج من يلعبها أو يشاهدها في وسطها، أي كأنه يعيش أحداثها أو يكون مشاركاً في أحداثها، إضافة إلى كونها تملك الخواص الإبهارية والتشويقية العالية المستوى، ما يجعل الطفل أو المراهق في السن الصغيرة منجذباً إليها بشكل كبير، من الناحية الأولى لأنها تعويض عن مجتمع ليس فيه عدالة».
وأضافت عيسى: «إن هذه الألعاب تعطي لمن يشارك فيها إحساساً بأنه قادر بالثأر لنفسه، مهما طالت اللعبة وإن خسر مرة أو اثنين أو ثلاث مرات لديه إمكانية العودة والربح من جديد، إضافة إلى أنه لا يمكن التوقف عن القتال بمعنى أن لديه دائماً الأسلحة للاستمرار في القتال، كما أن هناك مسألة أخرى وهي السيطرة على عالمه، وإعطاؤه وهْمَ الانتماء إلى عالم جديد فيه عدالة وإمكانية للمواجهة وفيه إمكانية للتحقق والتجسد، إضافة إلى وهْمَ السيطرة على هذا العالم، والمراهق في سن صغيرة يشعر دائماً أنه بلا أحد وكأن الكون كله يحاربه وهذه طبيعة هذه السن المتقلبة».
وتبين عيسى: «إن للأهل دوراً كبيراً في تقديم الوقت والحب والاهتمام والانتباه للشاب الصغير، لأنهم يمكن أن يفقدوه ويفقدوا التواصل معه مدى الحياة، وبطبيعة الحال فإن الشاب في هذه السن يجد في هذا العالم الافتراضي بديلاً من العائلة التي فيها كل ما يحلم وليس ما يفرض عليه، وفيها كل ما يحب ويشتهي وخاصة إذا كان في الحياة الواقعية معزولاً عن مدرسته، وفي هذه السن إذا لم يكن اجتماعياً في وسطه العائلي أو الدراسي فإن هذه الألعاب تعتبر فرصة أو أفقاً واسعاً بالنسبة له للغوص داخلها ونادراً ما يعود وهذا يسبب عزلة شديدة عن محيطه، إضافة إلى الأوهام التي يعيشها في خياله والمرتبطة بنوع الألعاب التي يمارسها، ناهيك عن الإحساس بالتماهي مع هذه الألعاب لدرجة التوهم بأنها هي الواقع أو البديل منه، وهذا يقود فيما بعد إلى أن هذا المراهق، وخاصة مع ظهور الألعاب الجديدة التي لها طابع جرمي والتي تأمر الشاب أو الطفل بتجربة أفعال يمكن أن تؤدي إلى موته ويكون فيها حتفه، إلى واحدةٍ من أهم المشكلات لأنها دلالة على غياب الرقابة العائلية».
وأفادت عيسى: «إن هذه الألعاب يمكن أن تكون واحدة من أسوأ مآزق مجتمعنا لأنها سوف تصبح بديلاً من الحياة الاجتماعية الواقعية وبديلاً من العلاقات الأسرية وعن العلاقات مع الأصدقاء وعن الحياة نفسها، ومع انتشار الهواتف النقالة وكثرة مستخدميها وخاصة في مجتمعاتنا وفي ظل الحرب التي نعيشها والتي تجعل عالمنا ضيقاً إلى حد كبير وحزين يمكن أن تصبح هذه الألعاب بديلاً من الحياة الواقعية ومن ثم تتفاقم مشكلاتنا الاجتماعية والوطنية إلى حد كبير، وليس الموت هو أخطرها لأن الموت هو حالة فردية وغالباً ما يكون الذي يأتمر بأمر هذه اللعبة ويصل به الأمر إلى الموت لديه استعداد نفسي ومرضي، لكن المشكلة أن تصبح هذه الألعاب وربما الحرب التي نعيشها نحن هي أحد تداعيات الانغماس في هذا العالم ومن ثم الابتعاد عن الواقع والإحساس بالانتماء إلى وطن والإحساس بالانتماء إلى أسرة وإلى مجتمع، لذا فإن الحرب فاقمت عزلتنا الإلكترونية وأصبحنا منخرطين إلى حد كبير صغاراً وكباراً في العالم الافتراضي وأخشى أن ننسى العالم الواقعي ما سيؤخر إلى وقت كبير التئام جروح هذا الوطن».

فقدان الحوار والنقاش
وبدورها قالت الدكتورة أيسر ميداني: «إنه يجب علينا تفعيل علاقات المحبة في العائلة وعلاقات النقاش والحوار، لأننا اليوم بكل أسف نجد أن الحوار غائب في العائلة ما يسمح بوجود عنف وضرب وقتل، ومن ناحية أخرى فإن التلفونات الذكية والإنترنت هي بمنزلة معوّق كامل أمام التواصل في العائلة وعازل لكل شخص عن الآخر بالعائلة والمجتمع لدرجة أننا توصلنا إلى هذا المراهق الذي شنق نفسه ويبدو أن هناك أعداداً أخرى كثيرة غيره».
وأضافت ميداني: «إن الغريب هو جلوس المراهق وحده كل هذه الساعات، فأين دور الأهل ولماذا هذا الغياب، وأين دور التفاعل والحوار؟ وإن انشغال كل منهم بحياته وأصدقائه وتلفونه وأصدقائه الافتراضيين يعتبر أمراً خطراً ويمس كل المجتمعات ليس فقط مجتمعنا، وتقع علينا مسؤولية في كل الإعلام والإعلان والدراما بالترويج لعلاقات عائلية مبنية على المحبة والتواصل والاحترام والحوار الدائم في العمق، وأن تسود فلسفة الحياة والمحبة التي تسمح للولد بالرجوع لأبويه في حال واجه أي صعوبات في الخارج، لأن الأولاد يتعرضون إلى عنف وحالات نفسية صعبة في المدرسة، وأيضاً فإن العلاقة مع الأستاذ والطلاب هي وحدها ليست من السهولة، ويجب أن يكون للولد الإمكانية ليفتح قلبه لأبويه ويتناقش معهما لأن النقاش يخفف الضغط، وعند غياب هذه الإمكانية من الحوار والنقاش فإن الشخص يتغير مع كل هذه التناقضات ويشعر أن الهرب هو الحلّ الوحيد إما أن ينتحر وإما يهرب إلى النوم أو من خلال ألعاب كهذه».
وبينت ميداني: «من دون شك إن الأولاد في عمر معين ينغلقون على أنفسهم وخصوصاً في عمر المراهقة ولا يتقبلون أي كلام من أبويهم، وهنا يحتاج الوالدين إلى إيجاد طريقة تكون بمنزلة الصداقة مع أولادهم وأساسها احترام آرائهم والإيحاء بأنه على الرغم من كل ما يحدث سيبقون داعمين لهم».

ضغط نفسي رهيب
ومن جانبها تكشف رندا رزق الله وهي محاضرة في جامعة دمشق بكلية التربية وعلم النفس ومعالجة نفسية: «أن خطورة الألعاب الإلكترونية تكمن في أنها بالدرجة الأولى تتطلب عزلة وانفصالاً عن المحيط مدة زمنية طويلة ما يشجع على الانطواء والكآبة، ويمثل وضعاً مغرياً لمن يعاني مزاجاً منخفضاً اكتئابياً أو من يعاني إحباطاً وخوفاً اجتماعياً».
وتضيف رزق الله: «إن الخطورة تكمن كذلك في أن هذه الألعاب لا تقدم مهارات جديدة ولا تساعد المراهق أو الطفل على تطوير قدراته ومهاراته الفكرية والاجتماعية والنفسية، بل تعمل على اللعب بالعواطف والانفعالات، من خوف وقلق وكآبة وإحباط، وتشكل ضغطاً نفسياً رهيباً ما يفقد المراهق بتلك الانفعالات السيطرة والفاعلية في التحكم بالذات، كما أنها تخزن طاقة جسدية وعدائية جاهزة للانفجار في أي لحظة، هذا الأمر الذي يفسر العنف والعدوانية المفاجئين للمدمنين على هذه الألعاب، والذي يعد الانتحار أحد أشكال العنف الموجه نحو الذات الهروب من خوف وقلق غير مسيطر عليهما، وإحساساً بانعدام قيمة الذات وفقدان المتعة بالحياة، حيث تسرق هذه الألعاب من الشخص وقته اللازم للمتعة والعمل والإنجاز وتحقيق الذات».
وتفيد رزق الله: «إنه من دون شك يكون تأثير هذه الألعاب أشد فتكاً على الفئات الضعيفة ذات البنية النفسية الهشة، وخاصة الأطفال والمراهقين والمرضى النفسيين والمستعدين للمرض النفسي، حيث إن هذه الفئات تحتاج إلى آخر قوي يدعمها ويساعدها في التطور والنمو، بينما تلعب الألعاب الالكترونية دور الآخر الكبير السلبي في أي تطور بالشخصية، وسلب الشخص وقته المخصص لبناء قدراته والاستمتاع بحياته، وتدفعه إلى التدهور الذي يصل إلى إنهاء حياته وموته».
وتختم رزق الله حديثها بالقول: «إن على الأهل والمدرسة والمربين تطوير أساليبهم في الدعم والتعليم والتربية، لأنه لا يكفي نجاح الطالب في المدرسة كي نقول إنه جيد وأنه لا يعاني أي حالة نفسية، بل عليهم الاطلاع على كل جديدة في عالم التكنولوجيا وتطوير مهاراتهم في العمل عليها، وأخذ دورهم الفاعل في إخراج المراهق أو الطفل من عزلته ومرافقته ودعمه، وأخذ دور الآخر الكبير القدوة والمربي، لا الناصح والواعظ بل الصديق المتفهم والموجه برفق إلى برّ الأمان».

أخيراً
مما تقدم من عرض النماذج وآراء المتخصصين في الميادين الإعلامية والنفسية نلمس خطورة هذه الألعاب التي تعمل وسائل الاتصال الحديثة على نشرها وتعميمها، ومع كل أسف فإن الحسّ الاجتماعي والتربوي لم يتمكن الحد من انتشار هذه الألعاب بل تسللت لتصبح متناولة بوفرة في أيدي أطفالنا، ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن هذه الألعاب مهما تعددت وتنوعت فإن معظمها ذات محتوى سلبي أكثر بكثير من الإيجابي، وذلك لأن المراهق أو الطفل يستخدمها لفترات طويلة ما يؤثر في مراحل نموه وتطوره، إضافة إلى الآثار التي يتركها في شخصياتهم، ومن أخطرها تربيتهم على العدوان والعنف والتمتع بقتل الآخرين، وتعلم حيل جديدة لارتكاب الجرائم، فلا يعد يخاف من المشاهد العنيفة أو المخيفة، حيث أثبتت دراسة أن 22 ألفاً من 30 ألف لعبة تعتمد على العنف والجريمة، ولا ننسى الجانب الجنسي والترويج له من خلال نشر صورة جنسية في خيال الطفل، وخاصة أن الكثير من الألعاب تروج للأفكار الإباحية، والكثير من التأثيرات التي لها علاقة بالإدمان، والعزلة الاجتماعية وغيرهما الكثير.. وهنا لا بد من تعزيز دور الأهل والمدرسة والمربين في تطوير مهارات أطفالهم في مجالات متعددة مثل تعزيز الحوار مع الطفل لإحياء روح الصداقة ومراقبة تلك الألعاب والسيطرة عليها في أي وقت، وتعويد الطفل منذ الصغر على ممارسة الرياضة، مع تشجيعه على قراءة القصص، وحثه على الرسم وذلك لتفريغ الطاقة الكامنة بداخله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
صحيفة الوطن